السبت، 27 أغسطس 2022

إبطال أقسام التوحيد

إبطال تقسيم التوحيد،.

هذا المقال ليس للقراء المسلمون، إنما هو خاص بالسلفيين، لأن المسلمون لا يعرفون ما هي البدعة التي يتم الرد عليها هنا، فلن يفهموا ما الذي يجري، ولكن السلفيون يعرفون تماماً كل تفاصيل الشبهة،. ويعرفون المقصود من الكلام،. ولا أريد أن أشرح بدعتهم للمسلمين،. فرجائي من المسلمين تجنب هذا المقال،. وليحمدوا الله أن فطرتهم لم تتدنس بنجاسة تثليث التوحيد،.

المقتسمون هنا هم السلفيون،. هم الذين قسموا التوحيد لثلاثة أقسام،. وضعوا لكل قسم تعريفاً مبنياً على الاستقراء في ٱلۡقُرآن والسنة،. ومنه أُصدِرَ كتاب التوحيد،. الذي انتشر في الآفاق، وأعجب به بقية الشيوخ،. وانبهروا به، قالوا إن الكتاب مليء بالاستدلال بالقرآن والسنة،. مَاْ شَٰاْءَ اللّٰه، تبٰـارك الله،. سنرى ذلك،.

ــــ ملاحظة : أول من ابتدع [التوحيدات الثلاثة]،. ليس محمد بن عبدالوهاب، إنما هو ابن تيمية،. ثم سار أتباعه من السلفية على نهجه،. وكذلك فعل ابن عبدالوهاب، قلده وألف كتاب التوحيد،.

قال الذهبي في رسالته لابن تيمية،. "جِدٍوا في ذكر بدعٍ ((كنا نعدها من أساس الضلال، قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد))، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار" [النصيحة الذهبية صــ 1]،.

قال ابن القيم الجوزية،. في كتابه مدارج السالكين،. وهو كتاب كتبه أخيراً، أي بعد هدايته ودخوله في دين ابن تيمية [حتى لا يقول قائل أنه كتبه وهو صوفي ضال]،. قال فيه،. "التوحيد نوعان، توحيد معرفة وإثبات [حقيقة ذات الرب وأسمائه]، وتوحيد قصد وطلب"،. [مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإِيَّـاْك نستعين 1/48]،.

ثم قسم التوحيد الثاني لقسمين آخرين،. ولكن،. لم يأخذ الناس بتوحيدات ابن القيم الثنائية، إنما أخذوا بتوحيدات ابن تيمية الثالوثية،.

ــــــــــ لماذا الإصرار على ثلاثة؟!،. لماذا لم تكن أربعة، أو خمسة، بإضافة توحيد الحاكمية وتوحيد الملوكية؟!،. لماذا ثلاثة فقط؟!،.

التوحيدات الثلاثة فيها نفَسُ إبليس،. فهذه بصمته المتكررة في تاريخ البشر،. فإبليس الشيطان، مر على معظم الأمم السابقة فأضلها عن الاخلاص لربها، جاءهم بملة [عقيدة] جديدة،. هذه الملة تشابهت وتكررت عند معظم الأمم السابقة التي كانت تعبد الله وحده في بداية أمرها،. ثم انحرفت "عقيدتها" لثلاثة آلهة،. جائهم الشيطان بتقسيمٍ ثلاثي للرب الواحد، إلى ثلاثة أرباب، أو ثلاثة آلهة، *((مع إبقاء مجموعها واحداً))،.* وهكذا فعل إبليس بالمصريون القدماء،. جعل إلههم الواحد ثلاثة (أُوزير ــ إيزيه ــ حور)،. وفعل مثل ذلك مع الهنود، فجعل إلههم الواحد ثلاثة (براهما ــ فيشنو ــ شيفا)،. وكلمة تريمورتي (كلمة سنسكريتية تعني الأشكال الثلاثة) هي "عقيدة" هندوسية تقول "إن الوظائف الكونية الثلاث من خلق وحفظ وتدمير مجسدة في براهما وفيشنو وشيفا على الترتيب" وتُدعَى هذه الآلهة الثلاثة بــ "ــالثالوث الهندوسي" أو "الثالوث الأعظم"،.

وقبل الهندوس مرّ على الإغريق، فجعل الإله عندهم ثلاثة آلهة (أبريديت ــ أثيني ــ هيرا)،. بل جعل لنفسه رمزاً ثلاثيا بات يُعرف به على شكل مثلث أو هرم،. ثم ذهب للنصارى وجعل ربهم الواحد ثلاثة (الآب ــ الإبن ــ الروح القدس)،. وقد ذكر الله تثليث النصارى في ٱلۡقُرآن أول مرة، حين كانوا يقولون أن مريم إلهة وليس الروح القدس،. قال الله فيهم،. ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة،...﴾،.

وحين جاء الشيطان للمسلمين،. وضع فيهم بصمته،. التي لم تكن إلا نسخةً طبق الأصل لما قد فعله في الأمم السابقة، فالناس منذ بعثة النّبي ﷺ لم يعرفوا سوى الاخلاص لرب واحد، إله واحد لا شريك له، لا يتجزّء ولا ينقسم ولا يتعدد، ولكن فكرة التثليث كانت تراود الشيطان، ويريد أن يكررها، ولكنه قابل خصماً جلداً [المسلمون]، وجسماً صلباً لا تهزه الدعاوى الفاسدة للشرك بالله،. ولكنه لم يستسلم لهم، وأصر على ترك بصمة التثليث فيهم قبل ذهابه،. *فقسّم توحيدهم إلى ثلاثة،.* فجعل الواحد ثلاثة،. وأبقى مجموع الثلاثة واحداً،.

لم يستطع أن يجعل ربنا ثلاثة أقانيم كما فعل بالنصارى وبتلك الأمم قبل النصارى،. ولكن رضي بالقليل، جعل التوحيد ثلاثة أقسام، بأسماء بدعية منكرة،. الألوهية والربوبية وآخرها الأسماء والصفات،. فأخذها الناس عنه بحفاوة ورحابة صدر، وتلقتها الأمة بالقبول، ظانِّين بها خيراً، وهي من أشد المحدثات في الإسلام،.

هذه المحدثة التي نسخها ابن تيمية من الملل قبلنا،. كانت المعين الأكبر لاحقاً في إراقة دماء أبرياء المسلمين،. فقد قتلت مدناً بأسرها، وسبيت الحرائر المسلمات، ونهبت الأموال،. تحت شعار هذه البدعة التي جاء بها ابن تيمية،. جعل المسلمين مرتدون، لأنهم يوحدون الله ربوبيةً ولا يوحدونه ألوهية، فاستحقوا القتل بذلك، والذي رفع راية القتل هو خليفة ابن تيمية،. محمد بن عبدالوهاب النجدي،. قرن الشيطان،.

ــــــــــــ الأقسام الثلاثة باختصار هي كالتالي،.

1 ــ توحيد الألوهية [توحيد العبادة]،. أن لا تصرف العبادة لغير الله، كذلك الدعاء والرجاء والخوف والتوكل والخشية،. فهذا النوع من التوحيد متجه من العباد إلى اللّٰه،.

2 ــ توحيد الربوبية [توحيد الخالقية]،. أن تؤمن بأنه خلقك ورزقك ويحييك ويميتك وينجيك وهو المدبر المتصرف وووو إلخ،. وهذا النوع من التوحيد متجه من الله إلى العباد،.

3 ــ توحيد الأسماء والصفات،. أن تؤمن بأسماء الله وما قاله عن نفسه،. دون تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تجسيم ولا سؤال عن الكيفية،.

في هذا المقال، سنتناول دراسة التوحيدين الأولين فحصاً وتحقيقاً وتمحيصاً ونرى هل ما قالوه فعلاً صحيح؟،.

السلفية، المقسمين المقتسمين،. بنوا دينهم وتوحيدهم على *((التفريق بين الرب والإله [الربوبية والألوهية]،.))* ومنه قالوا،. لا يكفي للمسلم بأن يؤمن بتوحيد الربوبية فقط،. لأن المشركين كانوا يؤمنون بالله،. [already]،. أي بالربوبية،.. ولكنهم كانوا لا يصرفون العبادة لله وحده، فهم مشركون ألوهية، رغم كونهم مؤمنين ربوبيةً!،. بالتالي أخي المسلم المؤمن،. عليك أن توحد الله ألوهيةً وربوبيةً معاً،. أي،. أن الله إلهٌ وربٌ معاً،. وإلا فأنت كافرٌ مشرك، مثلك مثل كفار ومشركي قريشٍ الذين وحدوا الله في قسمٍ واحد [أي الربوبية] وتركوا قسماً آخر [الذي هو الألوهية]،.

ثم جاء الأتباع لنصرة الشيخ المقسم،. فقالوا بأن المشركين كان عندهم آلهة متعددة لأنهم يعلمون بأن الرب واحد، فلا يقولون أجعل الأرباب رباً واحداً، إنما قالوا،. ﴿أَجَعَلَ ٱلۡآلِهَةَ إِلَـٰهࣰا وَاحِدًا؟! إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابࣱ ۝ وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُوا۟ وَٱصۡبِرُوا۟ عَلَىٰۤ ءَالِهَتِكُمۡ إِنَّ هَذَا لَشيءࣱ یُرَادُ﴾ [ص 5 - 6]،. ولأجل هذا قالت العرب،. (سفهت آلهتنا)،. ولم يقولوا أربابنا، لأنهم يعلمون بأن الرب هو الله،.  كذلك الرسل، بعثوا بتوحيد الألوهية،. فنوح ﷺ مثلاً،. ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِ فَقَالَ یَاقَوۡمِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَهٍ غَیۡرُهُ..﴾[الأعراف 59]! ولم يقل، ما لكم من رب غيره،. ذلك أنهم يعرفون الرب الواحد الخالق المالك الرازق، ولا يعرفون الإله الواحد [أي المعبود]،.

وبسبب هذا التفريق، تراهم يكفرون غلاة الصوفية، لأنهم دعوا المقبورين الأموات،. فيسمونهم مشركين،. ولم يسلم الأشاعرة والإباضية وغيرهم من التكفير، لأنهم لا يوحدون توحيد الأسماء والصفات،. وقس على ذلك بقية الفرق، فكل فرقة عندها خلل في جزئية معينة، فهي كافرة،. ومعلومٌ عندهم أنها كلها في النار إلا الفرقة السلفية الناجية،.....

ــــــ الرد على هذه التقسيمات والتعريفات المصطلحة،.

نقول أولاً وقبل كل شيء،. من قال لكم بأن مشركي مكة كانوا يؤمنون بربوبية اللّٰه؟!،. الجواب هو قول الله،. ﴿وَلَئن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ ((لَیَقُولُنَّ ٱللهُ)) قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلهِ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [لقمان 25]،. انظر انظر، مَاْ شَٰاْءَ اللّٰه يستدلون بالقرآن!،. ولأجل هذه الاستدلالات قيل بأن كتاب التوحيد كله آيات وأحاديث،. اللّٰه أكبَر،. ولكن لحظة لحظة،....

سؤال،. لماذا اخترت هذه الآية تحديدا وتركت غيرها؟! لو نقبت في القُــرآن ستجد أمثال هذه الآيات مما تشبهها تماماً وكما تحب، وفيها التي تريدها، كلمة (ليقولن الله، سيقولون الله)،. لتستشهد بها وتقول بأن الكفار يعلمون من خلق السماوات والأرض وهكذا،. ولكني أعجب، لماذا اخترت هذه الآية وحدها؟! ألأن بقية الآيات ستخرب بنيانك الذي بنيته؟ هل لأن بقية الآيات ستنسف كل أساسيات تقسيم وتفريق التوحيد؟!،.

لاحقا،. سأذكر بعض الآيات *المتشابهات* التي تركتها،. (مما لا ينبغي لك تركها)،. وسأقف عليها لأنظر هل صدقت في دعواك أم كنت من الذين في قلوبهم زيغ، فيتبعون آية مما تشابه منه، ويتركون بقية المتشابهات، ابتغاء الفتنة [التكفير]،. وابتغاء إنزاله على الصوفية [التأويل]؟! أما الآن، فسوف أرد على هذا الاستدلال بالتحديد،.

قال أن دليله بأن مشركي مكة كانوا يؤمنون بتوحيد الربوبية، هو قول الله،. ﴿وَلَئن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ ((لَیَقُولُنَّ ٱللهُ)) قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [لقمان 25]،. جميل،.. ولكن أين كلمة (الرب) فيها؟! ألم يكن الأولى أن تقول توحيد الألّاهية المشتقة من اسم (الله) نفسه؟! لماذا اخترت الربوبية؟!،.

فــ استدل بقول اْلله في آية أخرى "هكذا دون تفكير"،. وترك ما قبلها وما بعدها،. استدل بــ،.،. ﴿قُلۡ مَن ((رَّبُّ)) ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبۡعِ ((وَرَبُّ)) ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِیمِ ۝ ((سَیَقُولُونَ لِلهِ)) قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون 86 ــ 87]،. سيقول هذا لفظ (الرب) الذي أخذنا منه الربوبية،.،. وهذا الاستدلال مردود،.

اختار هذه الآية تحديداً لأن فيها كلمة رب،. فهي تخدم ما ذهب إليه،. ولكن لنقرأ الآية بتركيز ودقة، ونعطيها حقها في النظر،. حتى نكون على بينةٍ من ديننا، ولا نُفتن كما فتن الذين استدلوا بها،.

قال اْلله،. ﴿قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِیهَاۤ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ۝ سَیَقُولُونَ لِلهِ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝ *((قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِیمِ ۝ سَیَقُولُونَ لِلهِ))* قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝ قُلۡ مَن بِیَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءࣲ وَهُوَ یُجِیرُ وَلَا یُجَارُ عَلَیۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ۝ سَیَقُولُونَ لِلهِ قُلۡ فَأَنَّى تُسۡحَرُونَ ۝ بَلۡ أَتَیۡنَاهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَاذِبُونَ ۝ مَا ٱتَّخَذَ ٱللهُ مِن وَلَدࣲ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنۡ إِلَهٍ إِذࣰا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ سُبۡحَانَ ٱللهِ عَمَّا یَصِفُونَ﴾ [المؤمنون 84 - 91]،.

1 ــ هؤلاء ابتداءً كفار لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر،. ثم هم كاذبون،. فقد كذّبهم الله بنفسه، قال في سياقها،. ﴿بَلۡ أَتَیۡنَاهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَاذِبُونَ﴾،. فهم كاذبون ولو قالوا بأنهم يقرون بالله،. وهذا ديدنهم وشأنهم،. هم دائماً يكذبون،. قال اْلله،. ﴿أَلَاۤ إِنَّهُم مِّنۡ ((إِفۡكِهِمۡ لَیَقُولُونَ)) ۝ وَلَدَ ٱللهُ ((وَإِنَّهُمۡ لَكَاذِبُونَ))﴾ [الصافات 151 - 152]،. فلا تعتبر كل كلام الكفار صدق وعدل،. بل الأصل أنهم يكذبون ويعاجزون الأنبياء،. وٱلۡقُـرآن وضّحَ هذا في عدة مواضع،.

يقول الله عنهم،. ﴿وَلَوۡ أَنَّاۤ أَهۡلَكۡنَاهُم بِعَذَابࣲ مِّن قَبۡلِه لَقَالُوا۟ ((رَبَّنَا لَوۡلَاۤ أَرۡسَلۡتَ إِلَیۡنَا رَسُولࣰا فَنَتَّبِعَ ءَایَاتِكَ)) مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ﴾ [طه 134]،. بينما يقول الله في موضع آخر تكذيباً لقولهم،. ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةࣲ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللهَ وَٱجۡتَنِبُوا۟ ٱلطَّاغُوتَ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَیۡهِ ٱلضَّلالَةُ فَسِیرُوا۟ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِینَ﴾ [النحل 36]،. فهؤلاء مكذبين كذابين، وهذا تكذيب لهم،. وهنا تعلم أن كلام الكافر كذب وتعجيز، ولا ينبغي حمل قولهم على محمل الصدق والأمانة،.

قال الله كذلك عنهم،. ﴿وَلَوۡلَاۤ أَن تُصِیبَهُم مُّصِیبَةُ بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیهِمۡ فَیَقُولُوا۟ ((رَبَّنَا لَوۡلَاۤ أَرۡسَلۡتَ إِلَیۡنَا رَسُولࣰا فَنَتَّبِعَ ءَایَاتِكَ)) وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ۝ فَلَمَّا جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوا۟ لَوۡلَاۤ أُوتِي مِثۡلَ مَاۤ أُوتِي مُوسَىٰۤ ((أَوَلَمۡ یَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ أُوتِي مُوسَىٰ مِن قَبۡلُ قَالُوا۟ سِحۡرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوۤا۟ إِنَّا بِكُلࣲّ كَافِرُونَ))﴾ [القصص 47 - 48]،. بالتالي،. الكفار حين قالوا "الله"،. فهم كاذبون،. وعلى هذا ينبغي حمل كلامهم،.

2 ــ ولو افترضنا الصدق في كلامهم،. فنقول كما سمعنا في ٱلۡقُرآن دون تحريف وزيادة، كونهم يعلمون أو يقرون بأن الله رب السماوات والأرض،. لا يقتضي ولا يستلزم أنهم يؤمنون به رباً،.

كاللّص يعرف أن المال مال فلان،. ولكنه لا يقبل إرجاعه،. الآن، كونه يعرف أو يعلم أو يعترف بأن هذا المال هو مال فلان، فهل يقتضي من ذلك أنه صادقٌ أو أمين؟!،. أو نقول بأن اللص يقر بالصدوقية؟! ولا يعمل بالأمونية؟! هذا من مثل استدلالكم!،.

العلم بالشيء لا يقتضي الإقرار به أو الإيمان به،. أرسل اْلله لفرعون آيات واضحات وبصائر،. ﴿...فِي تِسۡعِ ءَایَاتٍ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَوۡمࣰا فَاسِقِینَ ۝ فَلَمَّا جَاۤءَتۡهُمۡ ءَایَاتُنَا مُبۡصِرَةࣰ قَالُوا۟ هَذَا سِحۡرࣱ مُّبِینࣱ﴾ [النمل 12 - 13]،. فعرفوا الحقيقة بل تيقنوا منها،. رغم ذلك حجدوا بها ظلماً وعلواً،. قال اْلله عنهم،. ﴿وَجَحَدُوا۟ بِهَا ((وَٱسۡتَیۡقَنَتۡهَاۤ أَنفُسُهُمۡ)) ظُلۡمࣰا وَعُلُوࣰّا فَٱنظُرۡ كَیۡفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ [النمل 14]،. فالكافر يعلم، ولكن لا يقر ولا يؤمن جحوداً وعناداً،.

مثله مثل البوذيين والهندوس اليوم، لو سألتهم من خلق السماوات والأرض؟ لن يقولوا بوذا، ولن يقولوا كريشنا ولا شيفا ولا البقرة ولا كوفوشيوس،. بل سيقولون اللّٰه،. فَهم يعرفون الله، ويعرفون نِعَم الله عليهم، وهذا لا يعني أبداً أنهم يؤمنون بالله،. بل يعرفون الحق وينكرونه،. قال اْلله،. ﴿یَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللهِ ثُمَّ یُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَافِرُونَ﴾ [النحل 83]،. وقال اْلله عن مشركي قريش،. ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُ لَیَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي یَقُولُونَ فَإِنَّهُمۡ لَا یُكَذِّبُونَكَ *((وَلَكِنَّ ٱلظَّالِمِینَ بِآیَاتِ ٱللهِ یَجۡحَدُونَ))﴾* [الأنعام 33]،.

ثم اعلم، أنه لا تشابه البتة بين هؤلاء الذين في الآية،. وبين الصوفية والأشعرية ومن تكفرونهم،. هؤلاء مسلمون ضلوا ببدعهم وجهلهم كما تفعلون أنتم [بل أنتم في بدعتكم أشد وأنكى]،. أما أولئك فكفار من قبل أن يردوا بــ (الله)،. هم لا يعبدون الله ولا يؤمنون به،. إنما يعرفونه فقط،. فلا تستخدم آيات نزلت في الكفار على مسلمين يؤمنون بالله ثم تكفرهم وتبيح دماءهم وحريمهم وأموالهم،. كما فعل الخارجي النجدي قرن الشيطان من قبل، وكما يفعل السلفية داعش اليوم،. وسنفصل في تشبيه الصوفية بمشركي مكة في آخر المقال،.

3 ــــ الآيات الباقية ليس فيها كلمة الرب،. ألهذا اخترت الآية الوحيدة التي فيها الرب؟،. لتقول بعدها : شوف؟ شوف؟ هذي ربوبية،. لأنك تعلم، أنك لو قرأتها في سياقها لفسدت عليك خطتك المعفنة!،.

4 ــــ الآية نفسها، والتي سبقتها، والتي تليها فيها اسم الله،. ففي كل مرة،. ﴿سيقولون الله﴾،. أو ﴿سيقولون لله﴾،. بالقرائتين،. ولم يقولوا الرب لتقول [ربوبية]،. وهذا الاسم (الله)،. أعم وأشمل من اسم الرب،. والله رب وإله، فلماذا حصرتها في معنى الربوبية؟!،. فالأولى بك أن تقول توحيد [الألّاهية]،. بتفخيم اللام،. وليس بترقيقها، من مثل لفظك لاسم الله (الله)،. وليس من الإله [الألوهية]،. وفي كلا الحالتين، سواء قلت بهذه أو بتلك، فهو بعيدٌ جداً عن مرادك وما تريده أنت،. أنت تريد الرب [الربوبية] أصلاً،. وليس الإله،.

الألوهية عندكم مشتقة من اسم الله (الإله)،. والربوبية مشتقة من اسم الله (الرب)،. ولكن اسم (الله) بذاته،. يدل على الألوهية،. ولا يدل على الربوبية،. بينما كفار قريش، كانوا يقولون (اللّٰه)،. وليس (الرب)،. ودليل مقسمي التوحيد هو قول اْلله،. ﴿وَلَئن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ ((لَیَقُولُنَّ ٱللهُ)) قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [لقمان 25]،. فحتى في هذه الآية، قالوا (الله)،. ولن تجد في القُرآن كله أنهم قالوا (الرب)،. ذلك أنهم لا يقرون به رباً،. فبم جعلتم هذا النوع من التوحيد توحيد ربوبية؟!،.

5 ــــ الآية ليس فيها أنهم آمنوا بالله،. إنما قالوا،. ﴿الله﴾،. رداً على من يسأل عن رب السماوات والعرش، فأين وجدت في الآية أنهم آمنوا بالله؟ حتى تقول آمنوا بالله رباً [ووحدوه ربوبية!!]؟،. فيها أنهم سيقولون الله، فهم يعرفون الله، ويعلمون أن الله رب السماوات والعرش،. ولكن لا يؤمنون به،. كالبوذي والمجوسي والهندوسي، سله من خلق السماء والأرض وجميع الخلق وزرقهم ومن رب السماوات والعرش؟! كلهم يعرفون من هو، كلهم سيقولون الله، ولكنهم لا يؤمنون به، ولا يعبدونه، لا إلهًا، ولا رباً! فكيف تلصق فيهم الإقرار أو الإيمان بالرب،. [وتقول بعدها هذا توحيد ربوبية]؟،.

هل تعلم أنهم لو اكتفوا بقول (ربنا الله) لنجوا بها؟!،. وهنا العجب،. أن المشركين والكفار لا يقولون (ربنا الله) ولن تجد في ٱلۡقُرآن كله أنهم قالوها،. ولو أنهم قالوها لنجوا بها،. لأن الله قال على لسان مؤمن آل فرعون،. ﴿وَقَالَ رَجُلࣱ مُّؤۡمِنࣱ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ یَكۡتُمُ إِیمَانَهُ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن ((یَقُولَ رَبِّيَ ٱللهُ)) وَقَدۡ جَاۤءَكُم بِٱلۡبَیِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمۡ وَإِن یَكُ كَاذِبࣰا فَعَلَیۡهِ كَذِبُهُ وَإِن یَكُ صَادِقࣰا یُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي یَعِدُكُمۡ إِنَّ ٱللهَ لَا یَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفࣱ كَذَّابࣱ﴾ [غافر 28]،. والزيادة على قول ربي الله تكون بالاستقامة عليه،.
قال الله،. ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ ((رَبُّنَا ٱللهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَامُوا۟)) تَتَنَزَّلُ عَلَیۡهِمُ ٱلۡمَلَائكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَبۡشِرُوا۟ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت 30]،.
وقال،. ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ قَالُوا۟ ((رَبُّنَا ٱللهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَامُوا۟)) فَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ﴾ [الأحقاف 13]،.

ثم لو كان المراد بتوحيد الرب،. هو توحيده [بالربوبية]،. وألا يكون هناك ربٌ غيره،. فكيف يقول يوسف عن العزيز : ربي،. قالَ اْلله،. ﴿وَرَاوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَیۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَابَ وَقَالَتۡ هَیۡتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ ٱللهِ ((إِنَّهُ رَبِّيَ أَحۡسَنَ مَثۡوَاي)) إِنَّهُ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّالمُونَ﴾ [يوسف 23]،.

وكيف يقر أن للكافر السجين رباً،. قال الله،. ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجࣲ مِّنۡهُمَا ((ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ))..﴾ [يوسف 42]،.. بل وكيف يقول الله عن الكافر أنه ربٌ؟،.

قال اْلله،. ﴿..فَأَنسَاهُ ٱلشَّیۡطَانُ ((ذِكۡرَ رَبِّهِ)) فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِینَ﴾ [يوسف 42]،.

ألم تسميه توحيداً؟! أي لا ينبغي أن تكون [الربوبية] لغير الله وحده؟! فما بال ٱلۡقُرآن يذكر الكافر بــ : رب؟!،.

6 ــــ الآية التي استدللت بها دون اخواتها،. السؤال فيها كان : مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِیمِ، وليس عن ربهم هم! ركّز شوي،. هم قالوا بأن اللّٰه رب السماوات ورب العرش،. ففي الحقيقة، هم لم يقروا بأنه (ربٌ لهم هم) أصلاً،. ولا أنه خالقهم ولا رازقهم ولا شيء،. إنما ردّوا على السؤال بأن الله رب السماوات والعرش! فأين توحيدهم للربوبية في استدلالك هذا؟!،.

لنفرض أن لصاً سرق مالاً من قصر لزيدٍ وأبى الاعتراف بأنه مال زيد،. فسألته،. لمن هذا القصر؟! فقال هو لزيد والمال ماله،. فهل هذا يدل أن اللص امتلك مالاً حلالاً؟! بمجرد أنه اعترف بأن القصر لزيد؟! وهل هذا يدل بأن اللص شريفٌ؟! وأنه صادقٌ أمين؟! أم سنقول بأن اللص مقرٌ بالصدوقية [الصدق]، ولا يقر بالأُمونية [الأمانة]؟! كما قيل عن مشركي قريش،. مؤمني ربوبية [الرب]، ومشركي ألوهية [الإله]،.

7 ــــ لو أكملت قراءة الآية لوجدت في سياقها ما يبطل حصرك وتعريفك للرب والربوبية،. قال اْلله بعدها،. ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللهُ مِن وَلَدࣲ ((وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنۡ إِلَهٍ إِذࣰا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ)) وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ سُبۡحَانَ ٱللهِ عَمَّا یَصِفُونَ﴾ [المؤمنون 91]،.

الشاهد منها، أن الله ذكر الإله [الألوهية] وليس الرب [الربوبية]،. لتقول أن المشركين يقرون بالربوبية! ثم الأمر الآخر، تجد فيها أن الله جعل الخلق من سمات الإله،. وليس كما زعمتم أن الخلق يندرج تحت الربوبية!،.

8 ــــ هذه بعض الآيات المتشابهة، التي لو اخذت بها كما أخذت بتلك الآية، لاستحييت من الاستدلال بها،. لأنها لا تحصر الخلق بالربوبية، ولا تدل على إقرارهم بالرب،.

أ ــ عندك مثلاً في سورة يونس،. قال اْلله،. ﴿قُلۡ مَن یَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن یَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَارَ وَمَن یُخۡرِجُ ٱلۡحَي مِنَ ٱلۡمَیِّتِ وَیُخۡرِجُ ٱلۡمَیِّتَ مِنَ ٱلۡحَي وَمَن یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ ((فَسَیَقُولُونَ ٱلله)) فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝ فَذَلِكُمُ ٱلله رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَالُ فَأَنَّى تُصۡرَفُونَ﴾ [يونس 31 - 32]،. رغم أن في آخرها لفظة الرب، إلا أنه لا يحق لك الاستدلال بها دون جمعها مع أخواتها،.

ب ــ فعندك مثلاً في سورة المؤمنون ختمها بالإله وليس بالرب،. قال اْلله،. ﴿قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِیهَاۤ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ۝ ((سَیَقُولُونَ لِلهِ)) قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ۝ قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِیمِ ۝ ((سَیَقُولُونَ لِلهِ)) قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ۝ قُلۡ مَن بِیَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءࣲ وَهُوَ یُجِیرُ وَلَا یُجَارُ عَلَیۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ۝ ((سَیَقُولُونَ لِلهِ)) قُلۡ فَأَنَّى تُسۡحَرُونَ ۝ بَلۡ أَتَیۡنَاهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَاذِبُونَ ۝ مَا ٱتَّخَذَ ٱللهُ مِن وَلَدࣲ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنۡ إِلَهٍ إِذࣰا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ سُبۡحَانَ ٱللهِ عَمَّا یَصِفُونَ﴾ [المؤمنون 84 - 91]،.

ج ــ وعندك مثلاً في سورة العنكبوت وليس فيها لفظة الرب التي منها استخلصت [الربوبية]،. قال اْلله،. ﴿وَكَأَیِّن مِّن دَاۤبَّةࣲ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللهُ یَرۡزُقُهَا وَإِیَّاكُمۡ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ۝ وَلَئن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ ((لَیَقُولُنَّ ٱللهُ)) فَأَنَّىٰ یُؤۡفَكُونَ ۝ ٱللهُ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِهِ وَیَقۡدِرُ لَهُ إِنَّ ٱللهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِیمࣱ ۝ وَلَئن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَحۡیَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا ((لَیَقُولُنَّ ٱللهُ)) قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلهِ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡقِلُونَ ۝ وَمَا هَـٰذِهِ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا لَهۡوࣱ وَلَعِبࣱ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡآخِرَةَ لَهِي ٱلۡحَیَوَانُ لَوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ ۝ فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُا۟ ٱللهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ فَلَمَّا نَجَّاهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ یُشۡرِكُونَ ۝ لِیَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ ءَاتَیۡنَاهُمۡ وَلِیَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ ۝ أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنࣰا وَیُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡ أَفَبِٱلۡبَاطِلِ یُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللهِ یَكۡفُرُونَ﴾ [العنكبوت 60 - 67]،.

د ــ وعندك التي تستدل بها من سورة لقمان نفسها، وليس فيها كلمة الرب التي اشتققت منها [الربوبية!]،. قال اْلله،. ﴿وَمَن كَفَرَ فَلَا یَحۡزُنكَ كُفۡرُهُ إِلَیۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوۤا۟ إِنَّ ٱللهَ عَلِیمُ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ۝ نُمَتِّعُهُمۡ قَلِیلࣰا ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِیظࣲ ۝ وَلَئن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ ((لَیَقُولُنَّ ٱللهُ)) قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلهِ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ ۝ لِلهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّ ٱللهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُ ٱلۡحَمِیدُ ۝ وَلَوۡ أَنَّمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَامࣱ وَٱلۡبَحۡرُ یَمُدُّهُ مِنۢ بَعۡدِهِ سَبۡعَةُ أَبۡحُرࣲ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَاتُ ٱللهِ إِنَّ ٱللهَ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ ۝ مَّا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسࣲ وَاحِدَةٍ إِنَّ ٱللهَ سَمِیعُۢ بَصِیرٌ﴾ [لقمان 23 - 28]،.

ه ــ وعندك مثلاً التي في سورة الزمر،. وهي تشبه تماماً آية لقمان وليس فيها لفظة الرب التي اشتققت منها كلمتك [الربوبية!]،. قال اْلله،. ﴿وَلَئن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ ((لَیَقُولُنَّ ٱللهُ)) قُلۡ أَفَرَءَیۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللهِ إِنۡ أَرَادَنِي ٱللهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوۡ أَرَادَني بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَاتُ رَحۡمَتِهِ قُلۡ حَسۡبِي ٱللهُ عَلَیۡهِ یَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر 38]،.

و ــ كذلك في سورة الزخرف،. وليس فيها لفظة الرب،. قال اْلله،. ﴿وَلَئن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّماوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ ((لَیَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡعَلِیمُ)) ۝ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدࣰا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِیهَا سُبُلࣰا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ [الزخرف 9 - 10]،.

ز ــ في سورة الزخرف آية ستجعل المقتسمين يقولون بأن مشركي قريش يقرون بتوحيد الأسماء والصفات،. قال اْلله،. ﴿وَلَئن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَیَقُولُنَّ ((خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡعَلِیمُ))﴾ [الزخرف 9]،. لم يقولوا : الله،. بل قالوا العزيز العليم،. فبالتالي [بمثل طريقتهم في الاستدلال]،. يكون المشركون مؤمنين بقسمين من أقسام التوحيد،. وبقي قسم واحد ツ،.

وغيرها الكثير من مثل هذه الآيات،. وهذه التالية في سورة النمل،. كانت قاضية لما ذهب إليه المقسمون،. فهذه آيات عظيمة تنسف كل المزاعم أن [الربوبية] تعني الخلق والرزق والإحياء -نعم ليس فيها سؤال الكفار-،.. ولكن فيها كلام الله الحق،. فاسمع وتدبر،. وانظر كيف يذكر الله الإله [الألوهية]،. وليس الرب [الربوبية]،. مع التي جعلتموها تحت الربوبية،.

قال اْلله،. ﴿قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِینَ ٱصۡطَفَىٰۤ ءَاۤللهُ خَیۡرٌ أَمَّا یُشۡرِكُونَ ۝ أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِ حَدَاۤئقَ ذَاتَ بَهۡجَةࣲ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَاۤ ((أَءِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللهِ)) بَلۡ هُمۡ قَوۡمࣱ یَعۡدِلُونَ ۝ أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارࣰا وَجَعَلَ خِلَالَهَاۤ أَنۡهَارࣰا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَیۡنَ ٱلۡبَحۡرَیۡنِ حَاجِزًا ((أَءِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللهِ)) بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ ۝ أَمَّن یُجِیبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَیَكۡشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَیَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَاۤءَ ٱلۡأَرۡضِ ((أَءِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللهِ)) قَلِیلࣰا مَّا تَذَكَّرُونَ ۝ أَمَّن یَهۡدِیكُمۡ فِي ظُلُمَاتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن یُرۡسِلُ ٱلرِّیَاحَ بُشۡرَا بَیۡنَ یَدَي رَحۡمَتِهِ ((أَءِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللهِ)) تَعَالَى ٱللهُ عَمَّا یُشۡرِكُونَ ۝ أَمَّن یَبۡدَؤُا۟ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُ وَمَن یَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ ((أَءِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللهِ)) قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَانَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَادِقِینَ ۝ قُل لَّا یَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَیۡبَ إِلَّا ٱللهُ وَمَا یَشۡعُرُونَ أَیَّانَ یُبۡعَثُونَ ۝ بَلِ ٱدَّارَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡآخِرَة بَلۡ هُمۡ فِي شَكࣲّ مِّنۡهَا بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ﴾ [النمل 59 - 66]،.

فالله ذكر الإله [الألوهية]،. مع الخلق، وإنزال الماء، وإنبات الحدائق، وذكر الإله [الألوهية]،. مع من جعل الأرض قراراً،. وإجابة المضطر، والهداية في الظلمات،. وذكر الإله [الألوهية]،. مع إرسال الرياح،. ثم أكد عليه، وذكر الإله مجدداً [الألوهية]،. مع الخلق والزرق،. وهذه كلها عن المقتسمين، تندرج تحت توحيد الربوبية، وليس توحيد الألوهية،.

9 ــــ في هذه الآيات يتكلم الله فيه عن أمورٍ،. قال السلفية أنها تندرج تحت الربوبية [الرب]،. ولكن في كل مرة، يجيب الله باسمه (الله)،. [وليس بالرب هي عند السلفيين ربوبية]،. ولا يحق لك أن تشتق الرب من اسم الله ﴿الله﴾،. والسبب أن أعلام وأقحاح العرب مختلفين في تعريب اسم الله،. فيتساءلون هل لفظ الجلالة (الله) مترجل أم منتسل؟ [أي جامد أم مشتق؟]،. [أي جذر ومصدر أم تصريف؟]،. فأغلبهم استقر أن الله مشتق من اسم (إله)، وكذلك الاسم (إله)،. مشتق أيضاً ولكن مم؟،. هم في ذلك على أربعة أقوال،.

1 ــ لاه، يلوه، لوهاً، معناها : احتجب وتستر،.
2 ــ لاه، يليه، [مصدر لوه، لوهان] : على وارتفع،.
3 ــ وله، يوله، يحبه ويشتاق إليه الخلائق ويتعلقون به،.
4 ــ أله، يأله، من معانيها : العبادة، الاستكانة، التحير، الفزعة،.

فإن كان العرب مختلفين حول معنى الله،. لأربعة أجزاء،. وجزء واحد منها فيه أربعة أقوال،. أحد الأربعة، في ربعه المعبود،. فكيف تلزم الناس بجزء من جزء من جزء من قولهم وتختار المعبود دون بقية الأقوال؟،.

ــــــــــ إدراجات وخصائص الربوبية والألوهية، والتفريق بينهما،.

زعم المقسّم المقتسم،. أن أفعال الله من خلق وزرق وتدبير وإحياء وإماتة وغيرها، كلها تندرج تحت الربوبية،. التي كان المشركون يؤمنون بها!! نسألهم،. *وماذا عن البعث؟!* هل البعث كذلك عندكم، يندرج تحت الدرج، أقصد تحت بند الربوبية؟!،. وهل كانوا يؤمنون به؟! اقرأ واكتحل،. قال اْلله،. ﴿أَمَّن ((یَبۡدَؤُا۟ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُ)) وَمَن یَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ ((أَءِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللهِ)) قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَانَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَادِقِینَ﴾ [النمل 64]،.

ليس لك الآن [بعد أن تورطت فيها]،. أن تُخرج (البعث) من الربوبية، وتضعه تحت الألوهية،. لأن الألوهية عندك هو صرف العبادة للّٰه وحده،. وليس فيه شيء من أفعال الرب،. بل كلها تخرج من العبد للرب وليس من الرب للعبد،. ولكن هذه الآية وحدها تكذب مزاعمك كلها،. حيث جعل اللّٰه الخلق والرزق مع الإله،. وليس مع الرب،. وجعل البعث مع الإله كذلك،. وبهذا يسقط كل ما قلته حول إيمان المشركين بالربوبية،. فمن أظهر ما كانوا يكفرون به هو البعث،.

الآن،. لو جعلت البعث تحت الربوبية فقط كذبت نفسك،. لأن المشركين لم يكونوا يؤمنون بالبعث أبداً، ولا لحظة،. وأنت تعرّف الربوبية أنها : أن تؤمن بأن الله يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويبعث ويشفي وغير ذلك،. ولكن المشركين (الموحدين ربوبية عندكم)، لم يكونوا يؤمنون بالبعث، وهذه عند المقتسمين، نوع من أنواع توحيد الربوبية،. فكيف كانوا مؤمنين ربوبية؟!

ولو جعلت البعث تحت الألوهية،. كذلك كذبت نفسك،. لأن الألوهية في تعريفك هي صرف العبادة للّٰه،. والبعث ليس له علاقة بالعبادة،. ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ ((مُخْتَلِفٍ)) ۝ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ۝ قُتِلَ ((الْخَرَّاصُونَ))﴾ [الذاريات 8 ــ 10]،.

هكذا يحصل للمبتدع حين يبتدع في دين الله ما ليس منه،. يختلف ويتناقض، أمره كله مريج،. ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق 5]،.

ــــــ هل الخلق والرزق يندرجان تحت الربوبية؟!،.

ــ الخلق والرزق مُدرجان تحت توحيد الربوبية حصراً، وليس تحت توحيد الألوهية،. ولكن،.... كيف يكون الخلق والرزق من الرب [الربوبية] حصراً،. والله يقول،. ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتَ ٱللهِ عَلَیۡكُمۡ *((هَلۡ مِنۡ خَالِقٍ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَاۤ إِلَهَ إِلَّا هُوَ))* فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ۝ وَإِن یُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِكَ وَإِلَى ٱللهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ﴾ [فاطر 3 - 4]،. ذكر اللّٰه هنا الخلق، وربطه بالإله،. وليس بالرب، فكيف جعلت الخلق من خصائص الرب [الربوبية]،.

ــ عند المقتسمين، الخلق يندرج تحت توحيد الربوبية [الرب]، وليس تحت توحيد الألوهية [الإله]،. ولكن قالَ اْللّٰه،. ﴿وَٱتَّخَذُوا۟ ((مِن دُونِهِ ءَالِهَةࣰ لَّا یَخۡلُقُونَ شَیۡـࣰٔا وَهُمۡ یُخۡلَقُونَ)) وَلَا یَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرࣰّا وَلَا نَفۡعࣰا وَلَا یَمۡلِكُونَ مَوۡتࣰا وَلَا حَیَوٰةࣰ وَلَا نُشُورࣰا﴾ [الفرقان 3]،. هنا الخلق الذي زعم الزاعمون أنه من خصائص الربوبية، ولكن الله ذكر فيه الإله،. وليس الرب،.

كذلك هذه الآية،. ﴿بَلۡ أَتَیۡنَاهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَاذِبُونَ ۝ مَا ٱتَّخَذَ ٱلله مِن وَلَدࣲ ((وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنۡ إِلَهٍ إِذࣰا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ)) وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ سُبۡحَانَ ٱللهِ عَمَّا یَصِفُونَ ۝ عَالِمِ ٱلۡغَیۡبِ وَٱلشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا یُشۡرِكُونَ﴾ [المؤمنون 90 - 92]،.

ــ الأنعام بلا شك من نعم الله ورزقه لنا،. وحين ذكرها في سورة الحج،. علل وربط هذا الرزق بالإله،. قال اْلله،. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ ((عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَـإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ)) فَـلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج 34]،. أليس هذا توحيد الألوهية الذي يدعونه،. ﴿فَـإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾؟! فلم يقرن الله الرزق بالإله وليس بالرب؟!،.

ــ يذكر اْلله الإله [الألوهية]، لا إله إلا هو،... ويقول بعدها : فاعبدوه،. وهو يتكلم عن أسماءٍ "هي عند المقتسمين تندرج تحت توحيد الربوبية"،. كالخالق والبديع والقدير،. ﴿وَجَعَلُوا۟ لِلهِ شُرَكَاۤءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡ وَخَرَقُوا۟ لَهُ بَنِینَ وَبَنَاتِ بِغَیۡرِ عِلۡمࣲ سُبۡحَانَهُ وَتَعَلَىٰ عَمَّا یَصِفُونَ ۝ بَدِیعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنَّى یَكُونُ لَهُ وَلَدࣱ وَلَمۡ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةࣱ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءࣲ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِیمࣱ ۝ *((ذَلِكُمُ ٱللهُ رَبُّكُمۡ لَاۤ إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَلِقُ كُلِّ شَيءࣲ فَٱعۡبُدُوهُ))* وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيءࣲ وَكِیلࣱ﴾ [الأنعام 100 - 102]،.

أعلم أنك ستقول، بأن الألوهية متضمنة للربوبية،. ولكن لا تستعجل رزقك،. سآتيك بآيات فيها الرب وليس في الإله،. وهي بمواضع، كان من المفترض أن تذكر الإله ولم تذكره، كونه أشمل وأعم من الربوبية ومتضمن للربوبية،.

ــــ الإله هو الله، والرب هو الله،. لا نفرق بينهما بتقسيم مفترى،.

قال اْلله،. [ولاحظ كيف يذكر الرب والإله معاً]،. ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَاكُمۡ عَبَثࣰا وَأَنَّكُمۡ إِلَیۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ۝ فَتَعَالَى ٱللهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِیمِ ۝ وَمَن یَدۡعُ مَعَ ٱللهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا یُفۡلِحُ ٱلۡكَافِرُونَ ۝ وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلرَّاحِمِینَ﴾ [المؤمنون 115 - 118]،.

ــ لمن زعم وادعى بأن الألوهية متضمنة للربوبية،. وأنها أعم وأشمل من الربوبية،. هذه آيات فيها الربوبية وليس في الألوهية،. وهي بمواضع كان من الأحق بزعم المقتسم أن تذكر الإله وليس الرب، ولم تذكره،.

ــ الكفار يوم القيامة، بعد أن وقع الحق وعرفوا الحق وانكشف كل شيء،. يفترض هنا أنهم عرفوا الفرق بين الألوهية والربوبية،. وأنه حان الأوان لدعوة الله الإله، وليس بدعوته بالرب! فهم [بزعم المقتسمين يقرون بالربوبية]،. ولكن العجيب أن كل دعائهم يوم القيامة كان للرب، وليس للإله،. فعلى سبيل المثال لا الحصر،. ﴿یَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ یَقُولُونَ یَالَیۡتَنَاۤ أَطَعۡنَا ٱللهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ۝ وَقَالُوا۟ ((رَبَّنَاۤ إِنَّاۤ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاۤءَنَا)) فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِیلَا۠ ۝ ((رَبَّنَاۤ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَیۡنِ)) مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنࣰا كَبِیرࣰا﴾ [الأحزاب 66 - 68]،.

وهكذا، كل أدعيتهم يوم القيامة بالرب،.... ﴿وَنَادَوۡا۟ یَا مَالِكُ ((لِیَقۡضِ عَلَیۡنَا رَبُّكَ)) قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف 77]،. فلماذا لم يدعونه هنا بالإله وهي أحق وأوجب عليهم،. حيث أن الخلل كان في الألوهية وليس في الربوبية؟،.

لماذا يوم القيامة لا تجد قولا واحداً للكفار (إلهنا)؟،. وقد عرفوا الآن أنه هو الإله بحق، فتابوا وندموا، وفوق هذا، مازالوا يقولون يوم القيامة،. ث
ــ ﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ((رَبَّنَاۤ)) أَرِنَا ٱلَّذَیۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنس..﴾ [فصلت 29]،.
ــ ﴿وَهُمۡ ((یَصۡطَرِخُونَ فِیهَا رَبَّنَاۤ)) أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَالِحًا غَیۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُ..﴾ [فاطر 37]،.
ــ ﴿قَالُوا۟ ((رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَیۡنَا شِقۡوَتُنَا)) وَكُنَّا قَوۡمࣰا ضَاۤلِّینَ ۝ ((رَبَّنَاۤ أَخۡرِجۡنَا)) مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون 106 - 107]،.

وقالوا يا مالك ادع لنا ربك،. لماذا لم يقولوا إلهك؟! أليس يوم القيامة يعرفون أن الله هو الإله الحق؟! وأن آلهتهم هبو؟! فلماذا لا يدعونه الآن بالإله [تلك الألوهية التي كانوا يكفرون بها في الدنيا]!،. فليعوضوا عما فاتهم!،.

ــ حين يُدخل العبد القبر، يُسأل من ربك [وهذه ربوبية]؟،. لماذا لا يسأل من إلهك [أين الألوهية وهي أشمل]؟! إن قلت بأن الرب هو الإله [وهذا انقلاب]، أقول بالتالي [نكاية فيك] إقرار المشركين بالرب إقرارٌ بالإله،.

ﻋﻦ ﺳﻌﺪ ﺑﻦ ﻋﺒﻴﺪﺓ، ﻋﻦ اﻟﺒﺮاء ﺑﻦ ﻋﺎﺯﺏ؛ «ﻋﻦ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻗﺎﻝ: ﺫﻛﺮ ﻋﺬاﺏ اﻟﻘﺒﺮ، ﻗﺎﻝ: ﻳﻘﺎﻝ ﻟﻪ: *((ﻣﻦ ﺭﺑﻚ؟ ﻓﻴﻘﻮﻝ: اﻟﻠﻪ ﺭﺑﻲ))*،. ﻭﻧﺒﻴﻲ ﻣﺤﻤﺪ، ﻓﺬﻟﻚ ﻗﻮﻟﻪ: {ﻳﺜﺒﺖ اﻟﻠﻪ اﻟﺬﻳﻦ آمنوا ﺑﺎﻟﻘﻮﻝ اﻟﺜﺎﺑﺖ ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎﺓ اﻟﺪﻧﻴﺎ} ﻳﻌﻨﻲ ﺑﺬﻟﻚ اﻟﻤﺴﻠﻢ» ﻭﻓﻲ ﺭﻭاﻳﺔ «ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻗﺎﻝ: اﻟﻤﺴﻠﻢ ﺇﺫا ﺳﺌﻞ ﻓﻲ اﻟﻘﺒﺮ، ﻳﺸﻬﺪ ﺃﻥ ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ، ﻭﺃﻥ ﻣﺤﻤﺪا ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ، ﻓﺬﻟﻚ ﻗﻮﻟﻪ: {ﻳﺜﺒﺖ اﻟﻠﻪ اﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮا ﺑﺎﻟﻘﻮﻝ اﻟﺜﺎﺑﺖ ﻓﻲ اﻟﺤﻴﺎﺓ اﻟﺪﻧﻴﺎ ﻭﻓﻲ اﻵﺧﺮﺓ} ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺃﺣﻤﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﺔ، ﻭﺃﺑﻮ ﺩاﻭﺩ، ﻭاﻟﺘﺮﻣﺬﻱ، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ.

ــ توحيد العبادة،. [الألوهية]،. علمونا بأن توحيد الألوهية متعلق بالعباد تجاه الإله، وتوحيد الربوبية متعلقة بالرب تجاه العباد،. كذلك هذا باطل، بدليل،....

ــــ في سورة الأنبياء،. ربط اللّٰه العبادة باسمه الرب، وكذلك ربط العبادة باسمه الإله،. مما يعني أن هذا العلم كله بني على باطل،. لأن الرب يُعبد، والإله يُعبد،. ولا فرق،. فالله رب نعبده،. وإله نعبده،.
قال اْلله،. ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَیۡهِ أَنَّهُ ((لَاۤ إِلَهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ))﴾ [الأنبياء 25]،. وقال اْلله،. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةࣰ وَاحِدَةࣰ ((وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ))﴾ [الأنبياء 92]،.

فالله أمرنا أن نعبده كرب [ربوبية]، وأمرنا أن نعبده كإله [ألوهية]،.

ــــ أول موضع في ٱلۡقُرآن، أمرنا الله بعبادته، قال فيه (ربكم)، ولم يقل (إلهكم)،. قال،. ﴿یَا أَیُّهَا ٱلنَّاسُ ((ٱعۡبُدُوا۟ رَبَّكُمُ)) ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة 21]،. مع أن الربوبية لا تعني العبادة عند المقتسمين،. الذين جعلوا ٱلۡقُرآن عضين،.

ــــ هل كان المشركون يؤمنون بالرب "الخالق" فعلاً؟،.

قالوا،. المشركين يقولون ﴿لو شاء ربنا﴾،. ولا يقولون لو شاء إلهنا! فبالتالي هم يؤمنون بالرب،..

طبعاً هذا الكلام كذب على الله ابتداءً، ثم هو كذب على المشركين أنفسهم،. فالمشركين لم يكونوا يؤمنون بالرب خالقاً،. كانوا يكفرون بالله خالقاً،. ويكفرون به رباً وإلهاً،. قال اْلله عن المشركين،. ﴿قُلۡ أَئنَّكُمۡ ((لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ)) فِي یَوۡمَیۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُ أَندَادࣰا ((ذَلِكَ رَبُّ ٱلۡعَالَمِینَ))﴾ [فصلت 9]،. والخلق عن المقتسمين يندرج تحت توحيد الربوبية، الذي يزعمون بأن مشركي قريش كانت تؤمن به!! اللّٰه أكبَر،.

وهذه الآية، رغم وضوحها في أنهم يكفرون بالربوبية وهذا هو الدليل الواضح فيها،. إلا أن المقسّمين المقتَسِمين يرون فيها دليلاً إضافيا على إصرارهم وبدعتهم، بأن "الخلق" من معاني الربوبية، ذلك أن الله قال في آخرها : ذَلِكَ رَبُّ ٱلۡعَالَمِینَ!،..

نقول،. رغم أن "الخلق" يندرج عندهم تحت توحيد الربوبية (عند المقتسمين)،. إلا أن الله قد ذكره مع الإله [الألوهية]،. قال اْلله،. ﴿ما ٱتَّخَذَ ٱللهُ مِن وَلَدࣲ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنۡ ((إِلَهٍ إِذࣰا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ)) وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ سُبۡحَانَ ٱللهِ عَمَّا یَصِفُونَ﴾ [المؤمنون 91]،.

فبالتالي،. الخلق، ليس من خصوصيات الربوبية كما زعم المقتسمين،.

قال اْلله،. ﴿أَوَلَمۡ یَرَوۡا۟ إِلَىٰ ((مَا خَلَقَ ٱلله)) مِن شَيءࣲ یَتَفَیَّؤُا۟ ظِلَالُهُ عَنِ ٱلۡیَمِینِ وَٱلشَّمَاۤئلِ سُجَّدࣰا لله وَهُمۡ دَاخِرُونَ ۝ وَلِلهِ یَسۡجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاواتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَاۤبَّةࣲ وَٱلۡمَلَائكَةُ وَهُمۡ لَا یَسۡتَكۡبِرُونَ ۝ یَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَیَفۡعَلُونَ مَا یُؤۡمَرُونَ ۝ وَقَالَ ٱللهُ ((لَا تَتَّخِذُوۤا۟ إِلَهَیۡنِ ٱثۡنَیۡنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهࣱ وَاحِدࣱ)) فَإِیَّاي فَٱرۡهَبُونِ ۝ وَلَهُ مَا فِي ٱلسَّماوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّینُ وَاصِبًا أَفَغَیۡرَ ٱللهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل 48 ـ 52]،.

قال المقتسمين أن المشركين يقرون بالرب،. بينما يقول الله في تتمة آيات سورة النحل،. ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةࣲ فَمِنَ ٱللهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَیۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ۝ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِیقࣱ مِّنكُم ((بِرَبِّهِمۡ یُشۡرِكُونَ ۝ لِیَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ ءَاتَیۡنَاهُمۡ)) فَتَمَتَّعُوا۟ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل 53 ـ 55]،.

ــــــــــــــــــ الدعاء،...

الألوهية عندهم هو صرف (العبادة) لله وحده،. الدعاء هو العبادة،. أو مخ العبادة، وأصل العبادة،. ويندرج تحته الاستغاثة والاستعانة والتوكل والخوف والرجاء، وهذا ما يسمونه المقتسمين (توحيد الإرادة والطلب، أو توحيد العبادة)،. وكلامهم كله باطل، بدليل،...

ــــ ذكرت تصاريف الرب 929 مرة في ٱلۡقُرآن،. بينما تصاريف اسم الإله قد ذكرت 147 مرة في ٱلۡقُرآن كله،. ولا يوجد فيه دعاء باسم الإله،. كلها باسم الرب،. مثال،. رب اصرف عني، رب هب لي،. ربنا،.

ــــ ربط اْلله الدعاء باسمه الرب وليس بالإله،. قالَ اْلله،. ﴿وَقَالَ *((رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِي))* أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَیَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِینَ﴾ [غافر 60]،.

ــ قال اْلله،. ﴿((إِنَّ رَبَّكُمُ)) ٱللهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَیَّامࣲ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ یُغۡشِي ٱلَّیۡلَ ٱلنَّهَارَ یَطۡلُبُهُ حَثِیثࣰا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتِۭ بِأَمۡرِهِ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُ تَبَارَكَ ٱللهُ ((رَبُّ)) ٱلۡعَالَمِینَ ۝ ((ٱدۡعُوا۟ رَبَّكُمۡ)) تَضَرُّعࣰا وَخُفۡیَةً إِنَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ [الأعراف 54 - 55]،.

ــ قال اْلله،. ﴿((إِذۡ تَسۡتَغِیثُونَ رَبَّكُمۡ)) فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَائكَةِ مُرۡدِفِینَ﴾ [الأنفال 9]،. مع أن الاستغاثة من الألوهية، وليست من الربوبية،. والاستغفار كذلك،.

ــ قال اْلله على لسان هود،. ﴿وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوۤا۟ إِلَیۡهِ إِنَّ رَبِّي رَحِیمࣱ وَدُودࣱ﴾ [هود 90]،.

ــــ الرحمن من أسماء الله التي ربطها الله نفسه بالدعاء،. قالَ اْللّٰه،. ﴿قُلِ ٱدۡعُوا۟ ٱللهَ أَوِ ٱدۡعُوا۟ ٱلرَّحۡمَنَ أَیࣰّا مَّا تَدۡعُوا۟ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَیۡنَ ذَلِكَ سَبِیلࣰا﴾ [الإسراء 110]،.

وفي سورة ((الرحمن)) نفسها،. لا يوجد ذكر الإله أبداً، بل ولا يوجد فيه اسم الله (الله)،. بل أكثر الذي تجده هو "ربكما"،. وتجد "ربكم، رب المشرقين والمغربين،. ذو الجلال والإكرام"،.

ــــ إبراهيم ﷺ،. لم يدع الله ولا مرة في ٱلۡقُرآن كله باسم الله الإله،. وإبراهيم، لم يك من المشركين،. مثل،. ﴿رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِینَ﴾ [الصافات 100]،.

إبراهيم،. حين كان يحاجج قومه الذين كفروا [بالألوهية]،. وكانوا مقرين [بالرب] بزعم المقتسمين،. لم يكلمهم إلا عن الرب،. قال اْلله علي لسانه،. ﴿قَالَ أَفَرَءَیۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ ۝ أَنتُمۡ وَءَابَاۤؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ ۝ فَإِنَّهُمۡ عَدُوࣱّ لِّي إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَالَمِینَ ۝ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ یَهۡدِینِي ۝ وَٱلَّذِي هُوَ یُطۡعِمُنِي وَیَسۡقِینِي ۝ وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ یَشۡفِینِي ۝ وَٱلَّذِي یُمِیتُنِي ثُمَّ یُحۡیِینِي ۝ وَٱلَّذِي أَطۡمَعُ أَن یَغۡفِرَ لِي خَطِیۤـَٔتي یَوۡمَ ٱلدِّینِ﴾ [الشعراء 75 - 82]،. فأين الإله في كلام إبراهيم؟! وهو أبو المسلمين في الملة؟!،.

أليس عجيباً أن يتكلم إبراهيم الحنيف الأواه المنيب خليل الله،. فقط عن أشياء يعدها المقتسمين شنشنات المشركين؟! وهي لا ترقى ولا تكفي المؤمن ليكون موحداً بالله؟! كان عليه أن يتكلم عن الإله وليس عن الرب وما يحمل من معانيه عند القوم!،. ولكنه لم يذكر الإله قط، في ٱلۡقُرآن كله، إلا في موضع ينكره فيه عليهم، فحين ذكر الإله كان عن آلهة المشركين، وليس عن الله، وذكره امتعاضاً وتكذيباً ومقتاً لهم وإنكاراً عليهم،. ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَاهِیمُ لِأَبِیهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ ((أَصۡنَامًا ءَالِهَةً))؟ إِنِّي أَراكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَالࣲ مُّبِینࣲ﴾،[الأنعام 74]،. وقال،. ﴿أَءِفۡكًا ءَالِهَةࣰ دُونَ ٱللهِ تُرِیدُونَ﴾ [الصافات 86]،. فلما رد عليهم الآلهة،. صرفهم للّٰه الواحد،. وطالما هو الآن في معرض مقابلة بين الآلهة الإفك وبين الله،. فيفترض منه أن يذكر (ألوهية) الله الآن،. فانظر ماذا قال بعد تلك الآية مباشرةً،. قال،. ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَالَمِینَ﴾ [الصافات 87]،.

ماذا نقول بعد هذا؟،. إبراهيم وحده، يكفي ليرد كل ضلالات المقتسمين،. صَلَّىٰ اْللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم،.

(ملاحظة) تجد في ٱلۡقُرآن كثيراً،. ﴿رب العالمين﴾،. ولا يوجد في القُــرآن أبداً (إله العالمين)،. ولا حتى في الأحاديث،. إنما تجد (إله الناس)،. ولك أن تتسائل لماذا!،.

ــــ التوكل من العبادة عند المقتسمين،. أي أنهما يندرجان تحن توحيد الألوهية،. وليس الربوبية،.

لا شك عند المقتسمين، أن التوكل لا يكون إلا لله، فهو ضمن توحيد الألوهية،. ولكن،..
ــ قال اْلله،. ﴿إِنَّ عِبَادِي لَیۡسَ لَكَ عَلَیۡهِمۡ سُلۡطَانࣱ ((وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِیلࣰا))﴾ [الإسراء 65]،.
ــ وقال،. ﴿وَٱتَّبِعۡ مَا یُوحَىٰۤ إِلَیۡكَ مِن ((رَّبِّكَ)) إِنَّ ٱللهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣰا ۝ ((وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللهِ وَكَفَى بِٱللهِ وَكِیلࣰا))﴾ [الأحزاب 2 - 3]،.

وفيه التوكل والاتباع،. نسبهما الله للرب، ولم ينسبها للإله،. كما زعم المقتسمون أنها تندرج تحت الألوهية،.

قال اْلله،. ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِیهِ مِن شَيءࣲ فَحُكۡمُهُ إِلَى ٱللهِ ((ذَلِكُمُ ٱلله رَبِّي عَلَیۡهِ تَوَكَّلۡتُ)) وَإِلَیۡهِ أُنِیبُ﴾ [الشورى 10]،. وغيرها كثير،. مما يدل أنه كان عليهم وضع التوكل تحت الرب، وليس تحت الإله،. ولكنهم إن فعلوا هذه فسوف ينهار بنيانهم الذي بنوه فوق رؤوسهم! فتوحيد الإلوهية هو المعني بأمور العبادة 😏 وليس توحيد الربوبية!!،.

ــ قال المقتسمون،. الأنبياء لم يُبعثوا بقول أن الخالق هو الله، لأن الناس يعرفون،. [يقصد يعرفون الربوبية]،. ثم استدل بـقول بعض الأنبياء،. (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)، ولم يقل ما لكم من رب غيره،. ثم شرح : فالأنبياء يوجهون الناس لتوحيد الألوهية، توحيد العبادة،. لأن الناس تعرف الربوبية ولا تعرف الألوهية، طيب طيب،...

1 ــ ماذا عن إبراهيم؟،. إبراهيم لم يكلم قومه نهائياً عن الإله، كل كلامه معهم كان عن الرب،. وقال لهم،. ﴿إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللهِ أَوۡثَانࣰا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًا إِنَّ ٱلَّذِینَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللهِ ((لَا یَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقࣰا فَٱبۡتَغُوا۟ عِندَ ٱللهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ)) وَٱشۡكُرُوا۟ لَهُ إِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ [العنكبوت 17]،. ومعلومٌ أن الزرق من خصائص الربوبية،. فلماذا كلهم عن الربوبية وهم مؤمنون أصلاً بالربوبية؟!،.

2 ــ من الجميل الاستدلال بكلام الأنبياء، ولكن ليس من الأمانة العلمية الانتقاء والاستقطاع وإخفاء بقية النصوص، تأخذ ببعض قول بعض الأنبياء وتترك أقوال الأنبياء الآخرين، كإبراهيم وموسى وعيسى،. هل تعلم أن إبراهيم الذي وفى، لم يدع قومه (للإله) ولا مرة؟! كل كلامه كان عن الرب فقط؟ هل تعلم أن موسى الذي أُرسِل لفرعون [الذي قال ما علمت لكم من إله غيري، وقال لإن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين..] لم يكلمه موسى عن الله (كإله) ولا مرة ولم يتلفظ بها نهائياً عند فرعون؟،. بل كان يذكر الرب فقط؟ هل تعلم أن عيسى لم يدع قومه البتة للّٰه (الإله)؟! ولم يتلفظ بها البتة، في ٱلۡقُرآن كله؟! كل مرة كان يقول ربي وربكم، ربي وربكم، حتى قيل له هل يستطيع ربك ولم يقولوا هل يستطيع إلهك،. وهؤلاء الأنبياء بلا شك أعلى مقاماً ومدحاً وفضلاً وأكثر ذكراً في ٱلۡقُرآن،. فلم تركت قولهم وذكرت فقط ما يخدم دعوتك؟!،.

3 ــ طيب،.. ذكر قول نوح، ولكن،.. لماذا استقطعته؟! أكمله،. تعال لنقرءها كاملة،. قال اْلله،. ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِ فَقَالَ یَاقَوۡمِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللهَ ((مَا لَكُم مِّنۡ إِلَهٍ غَیۡرُهُ)) إِنِّي أَخَافُ عَلَیۡكُمۡ عَذَابَ یَوۡمٍ عَظِیمࣲ ۝ قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالࣲ مُّبِینࣲ ۝ قَالَ یَا قَوۡمِ لَیۡسَ بِي ضَلَالَةࣱ ((وَلَكِنِّي رَسُولࣱ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَالَمِینَ))﴾ [الأعراف 59 - 61]،.

فنوح بزعمك يتكلم معهم عن الربوبية، جميل،. فلماذا تارة يذكر لهم اسم الإله [الألوهية]،. وتارة يذكرهم برب العالمين [الربوبية]،. واضح أنها ليست كما تدعي بسبب خللهم في توحيد الألوهية، إنما بسبب أنهم ((لا يعبدون الله))،. سواء سميته رباً أو إلهاً،.

كذلك فعل من بعده من الأنبياء،. يدعون قومهم للإله، وللرب،. قال اْلله،. ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودࣰا قَالَ یَا قَوۡمِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللهَ ((مَا لَكُم مِّنۡ إِلَهٍ غَیۡرُهُ)) إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ ۝ یَا قَوۡمِ لَاۤ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَیۡهِ أَجۡرًا إِنۡ أَجۡرِي إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ۝ وَیَا قَوۡمِ ((ٱسۡتَغۡفِرُوا۟ رَبَّكُمۡ)) ثُمَّ تُوبُوۤا۟ إِلَیۡهِ یُرۡسِلِ ٱلسَّمَاۤءَ عَلَیۡكُم مِّدۡرَارࣰا وَیَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡا۟ مُجۡرِمِینَ﴾ [هود 50 - 52]،.

ــ الله بنفسه يرد عليك ما زعموه بأن العبادة تخص الألوهية ولا تخص الربوبية،. قالَ اْلله لنا وهو يدعونا لعبادته [الذي تسمونه توحيد العبادة أو الألوهية]،. قال،. ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةࣰ وَاحِدَةࣰ ((وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ))﴾ [الأنبياء 92]،. فهنا،.. أستطيع أن أقول مثل قولك، الله لم يقل (وأنا إلهكم فاعبدون) فبالتالي، الناس يعرفون توحيد الألوهية، ولكنه صرفهم للربوبية فقال (وأنا ربكم) وهذا ينسف تلك الدعوى برمتها،.

ــ الاستدلال بآية الميثاق،. وهي ضدهم، قال أن الله فيها قال ألست بربكم؟! ولم يقل ألست بإلهكم! قالوا لأن الاختبار سيكون في الدنيا بالألوهية وليس بالربوبية، طيب، ولماذا يذكرهم بنفسه كرب وليس كإله؟! فالله ذكر الرب في معرض تحذيرهم من الشرك، بينما كان الأولى أن يذكر (الإله) لأنه يعلم أن الخلل سيكون في الألوهية وليس في الربوبية،. فالآية ضد استدلالهم،.

عند المقتسمين،. معظم البشرية لا يشركون بالربوبية، ولكن عندهم مشكلة بالألوهية، فأين توحيد الألوهية في آية الميثاق الأول؟،. وهي من الأصول الأوائل التي يخاطب الله فيه ذرية آدم كلهم الذين سيشركون بالألوهية ولكن لا يذكر الإله، بل الرب،. هذه الآية يسميها كثير من العلماء بآية "الميثاق" لعظمتها،. قال اْلله فيها،. ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ((رَبُّكَ)) مِن بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ *((أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡ قَالُوا۟ بَلَىٰ))* شَهِدۡنَاۤ أَن تَقُولُوا۟ یَوۡمَ ٱلۡقِیَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَذَا غَافِلِینَ ۝ أَوۡ تَقُولُوۤا۟ إِنَّمَاۤ أَشۡرَكَ ءَابَاۤؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّیَّةࣰ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ﴾ [الأعراف 172 - 173]،.

ألم يكن من الأولى تذكير بني آدم بالألوهية؟! وليس بالربوبية كونهم [يؤمنون بالربوبية بالفطرة]،. ويعرفون أنه الرب، ويؤمنون بأنه الرب!،.

ــــ إن كان مشركي قريش مؤمنون ربوبيةً، فأهل الكتاب بلا شك مؤمنين ربوبية،. وليس عندهم في هذا القسم خلل،. ولكن العجيب،. أن عيسى لم يدعهم ولا مرة للألوهية، بل في كل مرة كان يقول دائماً،. ربي وربكم،. ولم يقل إلاهي وإلهكم ولا مرة،.

ــ قال اْلله عن عيسى،. ﴿وَمُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَي مِنَ ٱلتَّوۡرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَیۡكُمۡ وَجِئۡتُكُم بِآیَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُوا۟ ٱللهَ وَأَطِیعُونِ ۝ ((إِنَّ ٱللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُ)) هَذَا صِرَاطࣱ مُّسۡتَقِیمࣱ﴾ [آل عمران 50 - 51]،.
ــ قال الله،. ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِینَ قَالُوۤا۟ إِنَّ ٱللهَ هُوَ ٱلۡمَسِیحُ ٱبۡنُ مَرۡیَمَ وَقَالَ ٱلۡمَسِیحُ یَا بَنِي إِسۡرَاءِیلَ ((ٱعۡبُدُوا۟ ٱللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡ)) إِنَّهُ مَن یُشۡرِكۡ بِٱللهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللهُ عَلَیۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَاهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِینَ مِنۡ أَنصَارࣲ﴾ [المائدة 72]،.
ــ وقال عيسى،. ﴿مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَاۤ أَمَرۡتَنِي بِهِ ((أَنِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡ)) وَكُنتُ عَلَیۡهِمۡ شَهِیدࣰا مَّا دُمۡتُ فِیهِمۡ فَلَمَّا تَوَفَّیۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِیبَ عَلَیۡهِمۡ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءࣲ شَهِیدٌ﴾ [المائدة 117]،.
ــ وقال،. ﴿ذلِكَ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِیهِ یَمۡتَرُونَ ۝ مَا كَانَ لِلهِ أَن یَتَّخِذَ مِن وَلَدࣲ سُبۡحَانَهُ إِذَا قَضَىٰۤ أَمۡرࣰا فَإِنَّمَا یَقُولُ لَهُ كُن فَیَكُونُ ۝ وَإِنَّ ٱللهَ ((رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُ)) هَذَا صِرَاطࣱ مُّسۡتَقِیمࣱ﴾ [مريم 34 - 36]،.
ــ وقال،. ﴿وَلَمَّا جَاۤءَ عِیسَىٰ بِٱلۡبَیِّنَاتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَیِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِیهِ فَٱتَّقُوا۟ ٱللهَ وَأَطِیعُونِ ۝ إِنَّ ٱللهَ هُوَ ((رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُ)) هَذَا صِرَاطࣱ مُّسۡتَقِیمࣱ﴾ [الزخرف 63 - 64]،.

لماذا لم يقل لهم : إن الله إلهي وإلهكم، وقد كان ينقصهم توحيد الألوهية؟،. فطالما هم مؤمنين ربوبية،. فلماذا يذكرهم بالرب في كل مرة؟،. ربي وربكم،. ربي وربكم،. حتى ترسخت هذه الكلمة في أذهان الحواريين فقالوا،. ﴿إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِیُّونَ یَا عِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ((هَلۡ یَسۡتَطِیعُ رَبُّكَ)) أَن یُنَزِّلَ عَلَیۡنَا مَاۤئدَةࣰ مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [المائدة 112]،. ولم يقولوا هل يستطيع إلهك..!؟

ــ السامري أخرج لبني إسرائيل عجلاً فقالوا هو إله، فرد عليهم هارون بأن ربكم الرحمن،. ولم يقل إلهكم،.

قال اْلله،. ﴿فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلࣰا جَسَدࣰا لَّهُ خُوَارࣱ فَقَالُوا۟ ((هَذَاۤ إِلَهُكُمۡ وَإِلَهُ مُوسَىٰ)) فَنَسِيَ ۝ أَفَلَا یَرَوۡنَ أَلَّا یَرۡجِعُ إِلَیۡهِمۡ قَوۡلࣰا وَلَا یَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرࣰّا وَلَا نَفۡعࣰا ۝ وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَرُونُ مِن قَبۡلُ یَاقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ ((وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَنُ)) فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِیعُوۤا۟ أَمۡرِي﴾ [طه 88 - 90]،.

ففي حسبة المقتسمين،. كان على هارون أن يقول لهم إلهكم الرحمن، لأن مشكلتهم كانت [ألوهية]! وليست [ربوبية]،. فهل أخطأ هارون؟!

ــ الله يحذر من اتخاذ غيره رباً ويحذر من اتخاذهم إلهاً،.

يقول الله،. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُؤۡتِیَهُ ٱللهُ ٱلۡكِتَابَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ یَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادࣰا لِّي مِن دُونِ ٱللهِ وَلَكِن كُونُوا۟ رَبَّانِیِّينَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ۝ وَلَا یَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡمَلَائكَةَ وَٱلنَّبِیِّينَ ((أَرۡبَابًا)) أَیَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران 79 - 80]،.

ويقول،. ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوۤا۟ ((ءَالِهَةࣰ)) مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ یُنشِرُونَ ۝ لَوۡ كَانَ فِیهِمَاۤ ((ءَالِهَةٌ)) إِلَّا ٱللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبۡحَانَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا یَصِفُونَ ۝ لَا یُسۡـَٔلُ عَمَّا یَفۡعَلُ وَهُمۡ یُسۡـَٔلُونَ ۝ ((أَمِ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِ ءَالِهَةࣰ قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَانَكُمۡ)) هَذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِي وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِي بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ۝ وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَیۡهِ أَنَّهُ ((لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ)) ۝ وَقَالُوا۟ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَـٰنُ وَلَدࣰا سُبۡحَانَهُ بَلۡ عِبَادࣱ مُّكۡرَمُونَ ۝ لَا یَسۡبِقُونَهُ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِ یَعۡمَلُونَ ۝ یَعۡلَمُ مَا بَیۡنَ أَیۡدِیهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا یَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡیَتِهِ مُشۡفِقُونَ ۝ ((وَمَن یَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّي إِلَـٰهࣱ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجۡزِیهِ جَهَنَّمَ)) كَذَلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّالِمِینَ﴾ [الأنبياء 21 - 29]،.

ــ عيسى بن مريم،. يخاطبه الله عن التأليه، فيرد بالتربيب!،.

قال اْلله،. ﴿وَإِذۡ قَالَ ٱللهُ یَا عِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّي ((إِلَهَیۡنِ)) مِن دُونِ ٱللهِ قَالَ سُبۡحَانَكَ مَا یَكُونُ لِي أَنۡ أَقُولَ مَا لَیۡسَ لِی بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلۡتُهُ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَاۤ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ ٱلۡغُیُوبِ ۝ مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَاۤ أَمَرۡتَنِي بِهِ ((أَنِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡ)) وَكُنتُ عَلَیۡهِمۡ شَهِیدࣰا مَّا دُمۡتُ فِیهِمۡ فَلَمَّا تَوَفَّیۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِیبَ عَلَیۡهِمۡ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيءࣲ شَهِیدٌ﴾ [المائدة 116 - 117]،.

فبحسبة المقتسمين، كان على عيسى أن يوجه قومه لتصحيح الألوهية، وليست لتصحيح الربوبية! فهل أخطأ فيها؟!،. لأنه لم يفرق بين الرب والإله؟!،.

ــــ قالوا بأن المشركون اتخذوا آلهة عديدة،. ولم يتخذوا أربابا عديدة!،. ولهذا كانوا يقولون سفهت آلهتنا!! فقالوا،. العرب تعرف الفرق بين الربوبية والألوهية، ولهذا حين سمع العربي أن النّبي ﷺ يدعوهم : قال إذاً تعاديك العرب،. واستدل بــ ﴿أَجَعَلَ ((ٱلۡآلِهَةَ إِلَـٰهࣰا وَاحِدًا)) إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابࣱ ۝ وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُوا۟ وَٱصۡبِرُوا۟ عَلَىٰۤ ((ءَالِهَتِكُمۡ)) إِنَّ هَذَا لَشيءࣱ یُرَادُ﴾ [ص 5 ــ 6]؟!،.

ولم يقولوا أجعل الأرباب رباً واحداً! لأنهم يعلمون أنه ربٌ واحد وهم يؤمنون به، ولكن الآلهة عندهم عديدة!!،.

طيب،.. لنرد هذا الزعم الغبي،.

1 ــ قال اْلله على لسان يوسف،. ﴿قَالَ لَا یَأۡتِیكُمَا طَعَامࣱ تُرۡزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِیلِهِ قَبۡلَ أَن یَأۡتِیَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمࣲ لَّا یُؤمِنُونَ بِٱللهِ وَهُم بِٱلۡآخِرَةِ هُمۡ كَافِرُونَ ۝ وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَاۤءِي إِبۡرَاهِیمَ وَإِسۡحَاقَ وَیَعۡقُوبَ مَا كَانَ لَنَاۤ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللهِ مِن شَيءࣲ ذَلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللهِ عَلَیۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَشۡكُرُونَ ۝ یَاصَاحِبَي ٱلسِّجۡنِ ((ءَأَرۡبَابࣱ مُّتَفَرِّقُونَ)) خَیۡرٌ أَمِ ٱللهُ ٱلواحِدُ ٱلۡقَهَّارُ﴾ [يوسف 37 - 39]،.

وهذا قول نبي كريم، بن نبي بن نبي بن نبي كريم،. وليس بقول عابر من فقيه جلف،. سمى آلهتهم بالأرباب،. ولم يقل فيهم آلهة،. رغم أن موضوع النقاش كان في العبادة [أي في الألوهية]، وليس في الرزق والخلق،. [التي هي عندكم الربوبية]،.

2 ــ يقول الله،. ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُؤۡتِیَهُ ٱللهُ ٱلۡكِتَابَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ یَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادࣰا لِّي مِن دُونِ ٱللهِ وَلَكِن كُونُوا۟ رَبَّانِیِّينَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ۝ وَلَا یَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلۡمَلَائكَةَ وَٱلنَّبِیِّينَ ((أَرۡبَابًا)) أَیَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران 79 - 80]،.

3 ــ أحكام الشريعة من حلال وحرام، والطاعة والاتباع،. بلا شك أنها للّٰه وحده، ولا تنبغي لأحد غيره،. هل تندرج تحت الألوهية أم الربوبية؟! فإن كانت الربوبية فقط اخطأتم،. لأن الله قال في معرض اتباع الهوى،. ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ ((اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ)) وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً...﴾ [الجاثية 23]،.

الآن،. قال اْلله،. ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ *((أَرْبَابًا))* مِنْ دُونِ اللهِ...﴾ [التوبة 31]،. قال أرباباً ولم يقل آلهة،. بينما الأصل عند المقتسمين، أن يقول اتخذوا أحبارهم ورهبانهم آلهة من دون الله،. لماذا؟! لأن الاتباع والطاعة في التحليل والتحريم عند السلفية،. يندرج تحت توحيد الألوهية، وليس توحيد الربوبية،. قال اْلله،. ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ ((اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ)) أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ۝ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان 43 ـ 44]،.

فبالتالي،. الاتباع والطاعة عبادة، والعبادة تندرج تحت توحيد الألوهية وليس الربوبية،،. فماذا قال اْلله أنهم اتخذوهم أربابا، ولم يقل إلهة؟!،. هل كانوا يظنون أن الأحبار والرهبان يخلقون ويرزقون كما يفعل الرب [ربوبية]؟!،.

4 ــ النّبي ﷺ نفسه يسمي صاحب البعير رباً،. فكيف تسمي الربوبية توحيداً؟!،.

عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد، رضي الله عنه، "أن رجلا سأل رسول الله ﷺ عن اللقطة؟ فقال: عرفها سنة، ثم اعرف وكاءها وعفاصها، ثم استنفق بها، فإن جاء ربها، فأدها إليه، فقال: يا رسول الله، فضالة الغنم؟ قال: خذها، فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب، قال: يا رسول الله، فضالة الإبل؟ قال: فغضب رسول الله ﷺ، حتى احمرت وجنتاه، أو احمر وجهه، ثم قال: مالك ولها؟! معها حذاؤها وسقاؤها، ((حتى يلقاها ربها))".
أخرجه مالك، والحميدي، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذي، والنسائي، والبزار، وابن الجارود، وأبو عوانة، وابن حبان، والطبراني، والدارقطني، والبيهقي.

ــــ طريقة الاستدلال هذه، طريقة غبية وفاسدة،.

حين أتوا على هذه الآيات،.. ﴿ولئن سألتهم﴾،. قالوا بأن المشركين يؤمنون بالربوبية،. دعونا نجرب طريقتهم هذه في الاستدلال، على حوادث أخرى في القُــرآن لننظر، ما الذي سنجنيه من وراء هذا،. وليتبين للناس أن هذه الطريقة في الاستقراء والاستنتاج طريقة معفنة فاسدة، لا تصلح إلا لمكب النفايات،.

ــ حين أسلم إبراهيم،. أسلم للرب ولم يذكر الإله،. ﴿وَمَن یَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَیۡنَاهُ فِي ٱلدُّنۡیَا وَإِنَّهُ فِي ٱلۡآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِینَ ۝ *((إِذۡ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسۡلِمۡ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ))* ٱلۡعَالَمِینَ﴾ [البقرة 130 - 131]،. فهل يصح أن تقول عندها، أن إبراهيم مؤمن ربوبية فقط بمثل طريقهم في الاستقراء؟! خاصةً أنك لا تجد إبراهيم ذكر ألوهية الله أبداً، في القُــرآن كله،. فهل يكون مؤمنا ربوبية فقط؟!،.

ــ وملكة سبأ، حين أسلمت، قالت أنها أسلمت بالرب، وليس بالإله،. قال اْلله،. ﴿قِیلَ لَهَا ٱدۡخُلِي ٱلصَّرۡحَ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةࣰ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَیۡهَا قَالَ إِنَّهُ صَرۡحࣱ مُّمَرَّدࣱ مِّن قَوَارِیرَ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي *((وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَیۡمَانَ لِلهِ رَبِّ))* ٱلۡعَالَمِینَ﴾ [النمل 44]،.

فهل يصح لنا أن نقول عنها، بأنها آمنت بالربوبية دون الألوهية؟!،. أم أن هذا ضرب من الخبل والهراء؟!،.

ــــــــــــ تشبيه الصوفية بمشركين قريش،.

مشركي قريش وغيرهم، من الذين كانوا [كما زعم المقتسمون]،. موحدين ربوبية ولكنهم يدعون غير الله [لا يصرفون العبادة لله] فهم ليسوا موحدين ألوهية،. لماذا سموا مشركين؟،. هل كانوا مشركين لأنهم دعوا الأصنام؟! أم كانوا مشركين لأنهم اتخذوا الأصنام آلهة؟! هذا سؤالٌ مفصلي مهم جداً،.

نعيد السؤال بصياغة أخرى،. متى صار الصنم رباً عند مشركي قريش؟! هل صار المدعو [الصنم] رباً حين دُعيَ؟! أم صار رباً قبل ذلك ثم دُعيَ؟!

لا يمكنك القول البتة بأن الصنم لم يكن بشيءٍ حتى دُعيَ ثم فجأةً حينها صار عندهم رباً وإلهً!!!،. بل ستذهب للخيار الثاني لزاماً، ستقول أنهم اتخذوا الأصنام آلهة،. فهم مشركون كفرة، ثم دعوهم وعبدوهم من دون الله،. بل هنا يصبح دعاء الصنم أو أي عمل لا قيمة له ولا تأثير،. سواء عبد أو لم يعبد،. سواء دعى أو لم يدع،. هو كافر من قبل أن يعمل،. فمشركي قريش مشركين ليس بالدعاء، الدعاء لا يحدد شيئاً،. هم مشركين، ولو لم يدعوا الأصنام،.

بمعنى آخر،. لو قال أحدهم أن هذا الصنم إله،. ولكنه لا يدعوه، يكون مشركاً،. ولو لم يدعوه ويستغيثه ويسترحمه،.

ولو قال عن صنمه أنه ربٌ وإله،. ولكن ظل يشتمه ويسبه ليل نهار، ويلعنه ويزدريه، بل ويبول ويتغوط على رأس الصنم كل صباح،. سيكون كافراً كذلك ولو فعل كل ذلك، ولو لم يدع صنمه أو يستغيث به،. فهو مشرك باتخاذه إلهً من دون الله، ولم يسمى مشركاً بمجرد عبادته لهذا الإله،. بالتالي،. سواء دعى أو لم يدع،. هو مشرك،.

يعني،... لو وجدت إنساناً يدعو صنما اتخذه لنفسه، واستغاث به، فهذا يقتضي أنه اتخذ الصنم ((ربا وإلهً)) قبل دعائه واستغاثته ولأجل ذلك دعاه،. فهو كافر مشرك،. قال الله،. ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡراهِیمُ لِأَبِیهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ ((أَصۡنَامًا ءَالِهَةً)) إِنّي أَراكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَالࣲ مُّبِینࣲ﴾ [الأنعام 74]،.

فالخلل، ليس في دعاء غير الله، بل في اتخاذ آلهةً من دون الله،. قالَ اْلله،. ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ لِیَكُونَ لِلۡعَالمِینَ نَذِیرًا ۝ ٱلَّذِي لَهُ مُلۡكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ یَتَّخِذۡ وَلَدࣰا وَلَمۡ یَكُن لَّهُ شَرِیكࣱ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءࣲ فَقَدَّرَهُ تَقۡدِیرࣰا ۝ وَٱتَّخَذُوا۟ ((مِن دُونِهِ ءَالِهَةࣰ)) لَّا یَخۡلُقُونَ شَیۡـࣰٔا وَهُمۡ یُخۡلَقُونَ وَلَا یَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرࣰّا وَلَا نَفۡعࣰا وَلَا یَمۡلِكُونَ مَوۡتࣰا وَلَا حَیَوٰةࣰ وَلَا نُشُورࣰا﴾ [الفرقان 1 - 3]،.
وقال،. ﴿فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللهِ ((قُرۡبَانًا ءَالِهَةَ)) بَلۡ ضَلُّوا۟ عَنۡهُمۡ وَذَلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُوا۟ یَفۡتَرُونَ﴾ [الأحقاف 28]،.

انتبه لهذه،. المشرك مشركٌ *((ليس لأنه دعى صنمه فحسب))*،. بل لأنه اتخذ لنفسه رباً وإلهً،. فهو مشرك قبل أن يدعو صنمه،. *((ولا يقال بأنه مشرك بمجرد دعاءه لصنمه))*،. فالدعاء نفسه لا يقدم ولا يؤخر شيئاً،. سواءً دعى أو لم يدعو، سواء استغاث أم لم يستغث، سواء أحبه أم لم يحبه،. هو مشركٌ لأنه سمى لنفسه إلهً غير الله،. وهذه هي النقطة المفصلية،.

الآن،. لماذا تسمون الصوفية مشركين،. ألأنهم اتخذوا القبور آلهة وأربابا من دون الله؟! أم لأنهم دعوا غير الله؟!،.

كلنا يعلم، بأن الصوفية لا يقولون عن الأضرحة والقبور والأموات بأنهم آلهة، ولا أرباباً من دون الله،. فكيف تشبهون الصوفية بمشركي قريش؟! ثم تسمونهم مشركين مرتدين؟!،.

ــــــــــــ [ملخَّص] دعوى أن مشركي قريش كانوا يؤمنون بالربوبية!!،.

من الخطأ القول بأن المشركين كانوا يؤمنون بأن الله خلق الأرض، وهذا مخالف، لأن الله قال في مشركي قريش،. ﴿قُلۡ أَئنَّكُمۡ ((لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ)) فِي یَوۡمَیۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُ أَندَادࣰا ((ذَلِكَ رَبُّ ٱلۡعَالَمِینَ))﴾ [فصلت 9]،.

ففي الحقيقة لم يكونوا يؤمنون بالرب، ولا يؤمنون بخالق الأرض أصلاً،. وإنما كان جوابهم بــ الله، على سؤال من خلق السماوات والأرض، جواب كذبٌ منهم وتعجيز ليس إلا، لا ينبغي حمل قولهم محمل الصدق، فإنهم قوم بهت قد كذبوا في أمور كثيرة قبلها وبعدها،.

ثم مجرد الجواب أنه الله، لا يقتضي منه الاعتراف به والإيمان به كما نقل مقسمي الله لعدة أقسام، (منها الله الإله، والله الرب)،.

لو فرضنا أن لصاً سرق مالاً من قصر لزيدٍ وأبى الاعتراف بأنه مال زيد،. فسألته،. لمن هذا القصر؟! فقال هو لزيد والمال ماله،. فهل هذا يدل أن اللص امتلك مالاً حلالاً؟! بمجرد أنه اعترف بأن القصر لزيد؟! وهل هذا يدل بأن اللص شريفٌ؟! وأنه صادقٌ أمين؟! أم سنقول بأن اللص مقرٌ بالصدوقية [الصدق]، ولا يقر بالأُمونية [الأمانة]؟! كما قيل عن مشركي قريش،. مؤمني ربوبية [الرب]، ومشركي ألوهية [الإله]،.

ــــــــ إبطال مضمون توحيد الاسماء والصفات [عالسريع]،.

كيف توحد الله الرب (العزيز الكريم)،. وقد قال اْلله عن الكافر،. ﴿إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ۝ طَعَامُ ٱلۡأَثِیمِ ۝ كَٱلۡمُهۡلِ یَغۡلِي فِي ٱلۡبُطُونِ ۝  كَغَلۡي ٱلۡحَمِیمِ ۝ خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاۤءِ ٱلۡجَحِیمِ ۝ ثُمَّ صُبُّوا۟ فَوۡقَ رَأۡسِهِ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِیمِ ۝ *((ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡكَرِیمُ))﴾* [الدخان 43 - 49]،.

إسمه العزيز، ويسمي غيره العزيز بلام العهد ولام التعريف،. قالَ اْلله،. ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ ((الْعَزِيزِ)) تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ..﴾ [يوسف 30]،. واسمه الملك، وهو ملك يوم الدين، وسمى عزيز مصر بالملك بلام العهد!،.. ﴿وَقَالَ ((الْمَلِكُ)) إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ..﴾ [يوسف 43]،. واسمه الرب، وسمى عزيز مصر رباً،.. ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ ((رَبِّكَ)) فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ ((رَبِّهِ))..﴾ [يوسف 42] ويقال لراعي الإبل، رب الإبل،. وتسمى الزوجة، ربة بيت،. واسمه العلي، ويمسي به غيره،. ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا ((عَلِيًّا))﴾ [مريم 57]،. وعندنا (علي) بن أبي طالب رَضِيَ اْللّهُ عَنْهُ،.

وهو الرؤوف الرحيم،. ﴿هُوَ ٱلَّذِي یُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ءَایَاتِۭ بَیِّنَاتࣲ لِّیُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ *وَإِنَّ ٱللهَ بِكُمۡ لَرَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾* [الحديد 9]،. وقال عن النّبي ﷺ أنه رؤوفٌ رحيم!،. ﴿لَقَدۡ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِیزٌ عَلَیۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِیصٌ عَلَیۡكُم *بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ رَءُوفࣱ رَّحِیمࣱ﴾* [التوبة 128]،.

فكيف توحد هذه الأسماء والصفات وقد كانت لآخرين دون الله؟!،. فهذا لم يعد توحيداً له!،.

وهناك بعض "الصفات" كالضحك، والنزول، والمجيء، والسعي،... وكيف يكون فيها توحيدٌ لله،. وكلنا نضحك وننزل ونجيء ونسعى!،. أي أن هذه الصفات قد اشتركت في الخالق والمخلوق،. فكيف جعلتها للّٰه وحده وسميتها "توحيداً لله"؟! أين التوحيد؟!

كيف توحده بشيء أنت تشاركه فيه؟! كالعزة واليد والعين وغيره؟!

ستقول : ليس كمثله شيء،. سآتيك على هذه إِنْ شٰاْءَ اللّٰه،. تفكر أنك وجدت مخرجاً؟! ツ

حين تقول لشيء أنه (توحيد)،. فيفترض أنه للّٰه (وحده)، لا يشاركه فيه أحد من خلقه، كمثل الإله،. هو الإله وحده ولا يسمى غيره بإله مهما،. أما الرب مثلاً،. فقد سمى عبده بنفس الاسم (رب)،. هو الملك وسمى عبده بالملك،. فلم يتحقق التوحيد في هذه الاسماء، ولا في كثير من التي تقول عنها "الصفات"،. فلا يصح تسميتها بتوحيد الاسماء والصفات،. عنوان هذا القسمِ جهلٌ، الذي افتراه جاهل، وهم الذين ادعوا العلم،.

إذاً، قلت لي،. ﴿ولم يكن له كفؤا/كفءاً أحد﴾،. أو،. ﴿...لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ..﴾،. أقول،.. جميل، جيد،. إذاً لا تقل (توحيد) الأسماء والصفات،.. فتعم كل الاسماء والصفات، بل قل توحيد الكفئية، أو توحيد الكمِثلية،. ومعناه : أن الله ﴿ليس كمثله شيء﴾،. ﴿وليس له كفؤ أحد﴾،. ثم تفلسف بما تشاء وضع شروطك، وادرج تحته ما تشاء من الباطل الذي تحب افتراؤه على الله،.

أن كان رأس الأمر [التوحيد والعقيدة]،. فيه كل هذا، وقد أفسدوا فيه من يسمون بالعلماء، فما بالك ببقية المسائل المفتراة في الدين؟! وحَسْبُنَا اللّٰه وَنِعْمَ الْوَكِيْل،.

ــــــــ الختام،.

استدلالكم خطأ، تقسيمكم للتوحيد باطل، استقراؤكم للقُـرآن ناقص قاصر،. كل القُــرآن يرد على هذا التقسيم الجائر الظالم،. أنتم أيها السلفية أغبياء، لا تفقهون شيئا في دين الله،.

وهذه التقسيمات المبتدعة ليست هينة، كانت نتيجتها دماء وأموال وأعراض المسلمين،. فالذي قسمها بهذا الشكل المحدث، قام بعدها بتكفير المسلمين بدعوى أنهم لم يوحدوا الله ألوهية،. فقتلهم وأجرم فيهم،. فهذه البدعة ليست كبقية البدع الصغيرة التي لم تكن نتيجتها دماء المسلمين،. وحَسْبُنَا اللّٰه وَنِعْمَ الْوَكِيْل،.

رَبَنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،.. ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾،.

بكيبورد، محسن الغيثي،.


الأحد، 6 مارس 2022

ما هي "الحكمة" في ٱلۡقُرآن؟

الحكمة،. واسم اللّه؛. الحَكِـيمْ،.

الحَكيمْ: ليس كما يظن الناس،. أنه الذي يقول الحِكَم والنوادر،. الحكمة ليست التُؤدة والأناة والرفق،. وليست هي قول الأشياء المعبرة والعميقة وليست هي التجارب، كما يقال عن الحكيم والحكماء،. بل هي شيء آخر،.

الحكيم في اللسان من الإحكام؛ الاغلاق بشدة،. أن لا يدخل إليه شيء ولا يفلت منه شيء،. كما نقول مُحكمة الغلق،. إحكام القارورة،. قالَ اْللّه،. ﴿الر كِتَابٌ *((أُحْكِمَتْ))* آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ *((حَكِيمٍ))* خَبِيرٍ﴾ [هود 1]،. وبسبب هذا الإحكام أصبح القُــرآن،. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ *((تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ))* حَمِيدٍ﴾ [فصلت 42]،.

فالحكيم هو المتحكم الممتنع، لا يدخل ولا يخرج من ملكه شيء ((إلا بإذنه))، النافذ بحكمه، الحاكم،. المتحكم، القاهر بسلطانه! إذا أراد أمراً لن يمنعه أحدٌ!،.

ــــــ ضع هذه في ذهنك *((إلا بإذنه،. إلا بمشيئته،. إلا بإرادته))،.*

قالَ اْللّٰه،. ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ *((وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ))* إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ *((حَكِيمٌ))﴾* [اﻷنفال 10]،. من عند الله وحده، إن أراد أن ينصرك ستنتصر،. ولا شيء غيره يستطيع إن ينصرك،. هذا من الاحكام،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ *((كَيْفَ يَشَاءُ))* لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ *((الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))﴾* [آل عمران 6]،. لاحظ المشيئة والحكم،. وهذا من التحكم التام والسيطرة وقوة النفوذ،. أنه لا يحصل شيءٌ إلا بإرادته هو مشيئتة هو،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿وَآخَرُونَ *((مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ؛ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ؛ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ))* وَاللَّهُ عَلِيمٌ *((حَكِيمٌ))﴾* [التوبة 106]،. المشيئة والاختيار بإمر الله، هذا من الاحكام،. وقالَ اْللّٰه،. ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ *((مَنْ يَشَاءُ))* وَاللَّهُ عَلِيمٌ *((حَكِيمٌ))﴾* [التوبة 15]،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا *((وَاللَّهُ يُرِيدُ))* الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ *((حَكِيمٌ))﴾* [اﻷنفال 67]،.لن يحصل إلا ما أراد الله،. قال،. *﴿((يُرِيدُ اللَّهُ))* لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ *((حَكِيمٌ))﴾* [النساء 26]،.

تلاحظ أن كل الآيات بعد أن يذكر الله ما يشاء هو، وما يريد هو، ثم بعدها يذكر اسمه (الحكيم)،. فاسم الحكيم متعلق بما يشاؤه الله وما يريده وحده،. كل شيء بأمره هو،. لهذا هو الحكيم،.

ــــ انظر أين ذكر الله اسمه الحكيم،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ *((إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ))* إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا *[[حَكِيمًا]] ۝ ((يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ))* فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [اﻹنسان 30 ــ 31]،.

قالَ،. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ *((إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه))﴾* يعني فقط ما يريده هو، هذه من حكمته، تَبٰارَكَ اْسْمُهُ،. ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ يعني فقط ما يشاء هو، من يشاؤه هو، وليس لأحد فيها يدٌ، إنما اللّه وحده، هذا من إحكام الشيء،.

ــــ قال الله عن الذكر أنه كتاب عزيز، ثم قال،. ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ *((تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ))* حَمِيدٍ﴾ [فصلت 42]،. ليس فيه إلا ما أراد اللّه،. هذا من إحكامه للذكر،. فالذكر كتاب عزيز حكيم،. لن يأتي أمامه ولا من خلفه شيء يبطله ويمنع نفوذه،. فإن كتب الله شيئاً فسينفذ وعده ويتحقق كرهاً،. لن يمنعه أحد،.

قالَ اْللّٰه عن الكتاب عموما،. ﴿تِلْكَ آيَاتُ *((الْكِتَابِ الْحَكِيمِ))﴾ [لقمان 2]،. وقال،. ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ ((الْكِتَابِ الْحَكِيمِ))﴾ [يونس 1]،.

قال الله عن الذكر،. ﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ ((وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ))﴾ [آل عمران 58]،. كيف أحكم الله الذكر؟ قالَ اْلله،. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ((الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ))﴾ [الحجر 9]،. ويتضح المعنى أكثر في هذه الآية،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ ((يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ)) وَاللَّهُ عَلِيمٌ ((حَكِيمٌ))﴾ [الحج 52]،. فلن يتغير شيء في الآيات، لأن الله الحكيم أحكم آياته،. ولهذا من آيات القُــرآن آيات متشابهة،. ولكن كلها محكمة هن أم الكتاب،. أي أصله،. قال اْللّٰه،. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ..﴾ [آل عمران 7]،.

ــــــــــ الحكيم والعزيز!،.

الله الحكيم،. كثيراً ما يذكر اسمه الحكيم مع العزيز،. قالَ اْللّٰه،. ﴿هُوَ اللَّهُ ((الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ)) لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ *((الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))﴾* [الحشر 24]،.

((الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ)) معانيها قريبة من بعض،. بينها رابط يربطها ببعض،. كذلك ((الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) تتشابهان! فإذا عرفت العزيز ستعرف من هو الحكيم!،.

هذان الاسمان (مع بعضهما)، أكثر اسمين وردا في القُــرآن عن الله، وردا 29 مرة،. وفيهما علاقة بالاخلاص لله،. ارتبطا بــ لَاْ إِلَهَ إِلاَّ اْللّٰه،. قالَ اْللّٰه،. ﴿هُوَ ٱلَّذِي یُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَیۡفَ یَشَاۤءُ، *((لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ))﴾* [آل عمران 6]،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ *((لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ))*، وَٱلۡمَلَائكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡعِلۡمِ قَاۤئمَۢا بِٱلۡقِسۡطِ، *((لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ))*﴾ [آل عمران 18]،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّ *((وَمَا مِنۡ إِلَـٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ))﴾* [آل عمران 62]،.

وأكثر سورة ورد فيها العزيز الحكيم، محلاة بألفٍ ولام، هي سورة آل عمران،. ورد فيها 4 مرات،. هذه السورة بدأت بــ ألم، الله لَاْ إِلَهَ إِلاَّ هو،.

ــــ العزيز من العزة والتعزز،. والعزة هي المَنَعة والشدة والقُوة،. قالَ اللّٰه،. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ۝ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۝ *((وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ))﴾* [فاطر 15 ــ 17]،. ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي؛ بشديد وممتنع! ومثلها في سورة إبراهيم،. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ۝ وَمَا ذَٰلِكَ *((عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ))﴾* [إبراهيم 19 ــ 20]،.

وهنا واضحة، بيَّنَتها هذه الآية،. ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ *((بِكَافٍ عَبْدَهُ/عبَادَهُ))* وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ *((فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ))* ۝ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ *((فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ))* أَلَيْسَ اللَّهُ *((بِعَزِيزٍ))* ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر 36 ــ 37]،. أي، يفعل كل شيء يريده،. لا يمنعه شيء،.

ــــ قالَ اْللّٰه على لسان شعيب،. ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ *((لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا [بِعَزِيزٍ ۝ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ] عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا))* إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود 91 ــ 92]،.

قالوا،. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾،. أي نستطيع عليك بسهولة، لم يمنعنا سوى رهطك،. فرد عليهم أتظنون أن رهطي،. ﴿أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؟،. اللّٰه أعز وأشد وأمنع، ولكنكم تركتموه،.

ــــ إبليس أقسم بعزة الله،. ﴿قَالَ فَـ((ـبِعِزَّتِكَ)) لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص 82]،.

لماذا أقسم بعزة اللّه؟ أقسم بعزة اللّه لأنه لو لم يأذن له العزيز؛ فلن يستطيع أن يغوي أحداً،.

هذه في سورة ﴿ص﴾،. التي قال اللّه في أولها،. ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ۝ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي *((عِزَّةٍ))* وَشِقَاقٍ﴾ [ص 1 ــ 2]،. وقال اللّه ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ *((الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ))﴾* [ص 9]،.

لماذا قرن ((الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ)) ببعضهما؟،. لأنه بعد أن ذكر خزائن رحمته،. قال عن نفسه أنه هو الذي يمسك ويمتنع من العطاء منها وهذا ((الْعَزِيزِ))،. أو أنه يعطي ويهب منها،. وهذا ((الْوَهَّابِ))،. هذه مقابل تلك،. هذه أضداد في المعنى، فالعزة هي الإمتناع بقوة، فحين أقسم الشيطان، أقسم بالعزة، أي: يا رب لو أذنت لي، لأغويتهم، ولو منعتني، لن أستطيع أن أغويهم، فاذن لي،. فالشيطان ليس له سلطان ولا حكم ولا عزة،. إن لم يأذن الله له فلن يحرك ساكناً، ولكن طالما أغوى بني البشر، فهذا يعني أن الله أذِن له أن يغويهم،. ثم استثنى،. ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص 83]،. وفي قراءة ﴿..الْمُخْلِصِينَ﴾،. وهؤلاء ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ لم يأذن اللّه له بأن يغويهم،. لأنه أخلصهم للآخرة،. ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص 46]،.

ــ معنى الحكيم قريب من معنى العزيز،. أي الممتنع! ومنه الحاكم الذي يتحكم بملكه ومملكته! فيدخل من يشاء ويخرج من يشاء، وكذلك العزيز،. كيوسف ﷺ عزيز مصر، حين كان عزيزاً حاكماً قال،. ﴿..قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي ((أُوفِي الْكَيْلَ)) وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ *فَـ((ـلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ))﴾* [يوسف 59 ــ 60]،. هذه من العزة والإحكام!،.

والله قال عن يوسف،. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ *((ءَاتَیۡنَهُ حُكۡمࣰا وَعِلۡمࣰا))* وَكَذَلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [يوسف 22]،.

ــــــــــــ مقابل معنى الحكمة!،.

من ضدها تعرف معناها،، ما هو عكس الحكم والإحكام؟!،. عرفنا أن الإحكام هو الذي لا يتفلّت منه شيء،. قوي شديد،. متحكم،. مسيطر،. ما ضده؟!،.

ضده : الفالت، غير المتماسك، كالطفل الصغير الذي لا يلقي بالاً ولا يعير اهتماماً لشيء،. فالت،. حركي،. لا يكون مسيطراً على نفسه ولا يستطيع التحكم بهواه، فهو صبيٌّ،.

وهذه آية عجيبة عن يحيى ﷺ؛ تبين معنى الحكمة!،. قال اللّه عنه،. ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ *((وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا))* ۝ وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا ۝ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ۝ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم 12 ـ 15]،.

الحكم هنا ليس ما يتبادر للفهم أنه المُلك والسيادة! بل هو من الاحكام والمنعة!،. وتفهمها مما يقابلها ويضادها، في الآية قال،. ﴿..وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ ((صَبِيًّا))﴾،. فالصبي هو المتفلت الغير مستقر،.

لهذا يقال عن الصغير غير المتحكم: صبِيّ؛. قال يوسف ﷺ،. ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ *((أَصْبُ إِلَيْهِنَّ))* وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف 33]،. فكان يلزمه حكمة من اللّه؛ حتى لا يتفلت وينساق لهواه ويصبو إليهن!،. وقد آتاه الله الحكم،. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ *((ءَاتَیۡنَاهُ حُكۡمࣰا))* وَعِلۡمࣰا وَكَذَلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [يوسف 22]،.

فيحيى كان عنده الحكم في صباه وصغره، ومن أجل هذا رويَ عن رسُول اللّه ﷺ (بحديث في سنده مقال)،. أنه قال،. ﴿ما من أَحَدٍ من وَلَدِ آدمَ إلا قد أخطأَ أو هَمَّ بخطيئةٍ ((ليس يحيَى بنَ زكريا)) وما ينبغي لأَحَدٍ أن يقولَ أنا خيرٌ من يونسَ بنِ مَتَّى﴾  مسند أحمد - 4/80،. فمن الحُكم الذي آتاه اللّه، لم يخطئ أبداً! كان ضابطاً لشهواته!،. متمكناً منها، غير متفلت،. حصر نفسه ومنعها من اتباع الشهوات،. قالَ اْللّٰه عنه،. ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِیَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّیَّةࣰ طَیِّبَةً إِنَّكَ سَمِیعُ ٱلدُّعَاۤءِ ۝ فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَائكَةُ وَهُوَ قَاۤئمࣱ یُصَلِّي فِی ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ یُبَشِّرُكَ بِیَحۡیَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَیِّدࣰا *((وَحَصُورࣰا))* وَنَبِیࣰّا مِّنَ ٱلصَّالِحِینَ﴾ [آل عمران 38 - 39]،. والإحصار كالمحاصَر والمحاصِر،. الممتنع، المحشور،. ولاحظ كيف ذكر الله المنع عند الفقراء،. قالَ اْللّٰه،. ﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ *((ٱلَّذِینَ أُحۡصِرُوا۟ فِي سَبِیلِ ٱللَّهِ لَا یَسۡتَطِیعُونَ ضَرۡبࣰا فِي ٱلۡأَرۡضِ))* یَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِیَاۤءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِیمَاهُمۡ لَا یَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافࣰا وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنۡ خَیۡرࣲ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِیمٌ﴾ [البقرة 273]،. ونقول في لساننا محصور، لمن أراد التبول، فمنع نفسه حتى يصل لمكان البول،. ومن حوصر مُنع من الخروج،. فلا يستطيع الحركة،. فيحيى لم يكن متفلتاً، كان حكيما،. ضابطاً لنفسه عن اتباع شهواتها،. قال الله،. ((وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا))،. فلم يَهَم بخطيئةٍ!! يعني حتى ما فَكَّرَ بخطيئةٍ!، هذه من الاحكام،.

ومن تصاريف الصبوة الصابئين، قال الله،. ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِینَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِـِٔینَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـالِحࣰا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَیۡهِمۡ وَلَا هُمۡ یَحۡزَنُونَ﴾ [البقرة 62]،. ما معنى صابئة؟!،. الصابئة الذين غيروا دينهم، ولم يجمدوا على دين آبائهم لما سمعوا الحق،. لم يحكموا أنفسهم على قرار واحد جموداً وتصلباً [أحكاماً له]،. بل كانوا لينين وليسوا متكبرين،. حين سمعوا الهُدَىٰ أسلموا للّٰه،. هؤلاء صابئة، ويصح أن يقال كذلك على المسلم الذي غير دينه وبدله،. هو كذلك صابئ،.

ومن تصاريفها أيضاً الصب كما يصب الماء [سكبها] من القارورة بعد فتحها [لم تعد محكمة]،. قالَ اْللّٰه،. ﴿فَلۡیَنظُرِ ٱلۡإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ۝ أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَاۤءَ صَبࣰّا﴾ [عبس 24 - 25]،. فالماء لو أفلتته صببته،. بمجرد تحركه من مكانه لم يعد متماسكاً محكماً،.

ــــ الترابط بين أسماء الحاكم،. الملك والسلطان والأمير والعزيز،.

من أسماء الحاكم، الملك والسلطان والعزيز والأمير،.
الحاكم من إحكام الشيء، فيه التحكّم قوة القبض،.
والملك من التملك،. أن تملك نفسك وتملك غيرك فتتحكم،.
والعزيز القوي الممتنع، [سبق شرحه]،.
والسلطان أن تتسلط فتفعل ما تشاء وما تريد،.
والأمير، يأمر وينهى، ويُسمع له ويُطاع،.

كلها متقاربة من الحِكمة والاحكام،. فيها التسلط والقوة والنفوذ،.

وحين يتكلم القُــرآن عن (الحُكم السُلطة السياسية) فهو يسميه الملك والعزيز، أما إذا ذكر الحُكم دون الملك، فهذا من الإحكام وليس من التملك، بل من التحكم والمشيئة، العزة والمنعة،. فكل مُلكٍ حُكم، وليس كل حُكم مُلك،. قد يكون الإنسان حاكماً نفسه ورغبته وشهواته وهو ليس بملك،. وقد يملك نفسه وليس بحاكم،.

قالَ اْللّٰه عن داوود،. (وَشَدَدْنَا *((مُلْكَهُ)) وَآتَيْنَاهُ ((الْحِكْمَةَ))* وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص 20]،. فجمع له الاثنين،. وسنأتي على تدبره إِنْ شٰاْءَ اللّٰه،.

ــ قال إبراهيم ﷺ،. ﴿رَبِّ هَبْ لِي ((حُكْمًا)) وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [الشعراء 83]،. لا تظن أن إبراهيم ﷺ أراد ملكاً وسيادة، الحُكم هنا ليست الأمارة والملك، الحكم هنا الإرادة والتحكم بالنفس مما تشتهي وتهوى، فلا يصبو لشهواته ورغباته،. إبراهيم لم يكن ملكاً أو سلطاناً، بل كان حكيماً،. وقال موسى،. ﴿فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ ((فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمࣰا)) وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾ [الشعراء 21]،. وقال الله عن يوسف،. ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ *((ءَاتَیۡنَاهُ حُكۡمࣰا))* وَعِلۡمࣰا وَكَذَلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [يوسف 22]،. الحكام إنما سموا بهذا الاسم لتحكمهم في أمور الناس من منع وعطاء،. وكذلك من يحكم بين المتخاصمين،. هو الذي يرد إليه القضاء،. يذر أو يهب، يعزّر أو يعذِر، يقضي أو يتجاهل وهكذا،. بيده الأمر،. فهم حاكم،. يحكم الأمور،.

ــــ والآن تفهم لماذا ملئ قلب النّبي ﷺ إيماناً وحكمة!،.

ﻋﻦ ﺛﺎﺑﺖ، ﻋﻦ ﺃﻧﺲ ﺑﻦ ﻣﺎﻟﻚ ﴿ﺃﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻛﺎﻥ ﻳﻠﻌﺐ ﻣﻊ اﻟﺼﺒﻴﺎﻥ، ﻓﺄﺗﺎﻩ ﺁﺕ، ﻓﺄﺧﺬﻩ ﻓﺸﻖ ﺑﻄﻨﻪ، ﻓﺎﺳﺘﺨﺮﺝ ﻣﻨﻪ ﻋﻠﻘﺔ، ﻓﺮﻣﻰ ﺑﻬﺎ، ﻭﻗﺎﻝ: ﻫﺬﻩ ﻧﺼﻴﺐ اﻟﺸﻴﻄﺎﻥ ﻣﻨﻚ، ﺛﻢ ﻏﺴﻠﻪ ﻓﻲ ﻃﺴﺖ ﻣﻦ ﺫﻫﺐ، ﻣﻦ ﻣﺎء ﺯﻣﺰﻡ، ﺛﻢ ﻷﻣﻪ، ﻓﺄﻗﺒﻞ اﻟﺼﺒﻴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻇﺌﺮﻩ: ﻗﺘﻞ ﻣﺤﻤﺪ، ﻗﺘﻞ ﻣﺤﻤﺪ، ﻓﺎﺳﺘﻘﺒﻠﺖ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﻭﻗﺪ اﻧﺘﻘﻊ ﻟﻮﻧﻪ، ﻗﺎﻝ ﺃﻧﺲ: ﻓﻠﻘﺪ ﻛﻨﺎ ﻧﺮﻯ ﺃﺛﺮ اﻟﻤﺨﻴﻂ ﻓﻲ ﺻﺪﺭﻩ﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺷﻴﺒﺔ، ﻭﺃﺣﻤﺪ، ﻭﻋﺒﺪ ﺑﻦ ﺣﻤﻴﺪ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭﺃﺑﻮ ﻳﻌﻠﻰ، ﻭاﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ، ﻭﺃﺑﻮ ﻋﻮاﻧﺔ، ﻭاﻟﺒﻴﻬﻘﻲ، ﻓﻲ "ﺩﻻﺋﻞ اﻟﻨﺒﻮﺓ".

وفي رواية مسلم،. (بسند فيه مقال)،. قال،. ﴿بينا أنا عند البيتِ بين النائمِ واليقْظانِ. إذ سمعتُ قائلًا يقولُ: أحدُ الثلاثةِ بين الرجلين. فأتيتُ فانطلق بي، فأتيتُ بطَستٍ من ذهبٍ فيها من ماءُ زمزمَ. فشُرح صدري إلى كذا وكذا. (قال قتادةُ: فقلتُ للذي معي: ما يعني؟ قال: إلى أسفلِ بطنِه) فاستخرج قلبي، فغسلَ ماء زمزمَ. ثم أُعيدَ مكانَه، ثم ((حشِي إيمانًا وحكمةً))........ الحديث،. وفي روايةٍ عن مالك بن صعصعة،. ﴿أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: فذكر نحوَه. وزاد فيه فأُتيتُ بطَستٍ من ذهبٍ ممتلئٍ ((حكمةً وإيمانًا))، فشق من النحرِ إلى مراقِ البطنِ، فغسلَ بماءِ زمزمَ، ثم ملِئ ((حكمةً وإيمانًا))﴾ صحيح مسلم - 164.

أسْري به للسماوات، لعالم آخر تماماً غير عالمه، فسوف يرى في ذلك العالم أموراً تذهله، سيهاب منها، ويُكبِرها ويُعظمها في ذلك العالم، سيرى ما لم يعتد على رؤيته، فيلزمه شيءٌ يُمسّكه ويقوّيه ويمنعه من الخوف والاغماء وحتى لا يذهب عقله، وحتى يتم إيمانه وتصديقه! فلهذا مُلِئ قلبه إيماناً وحكمة!،.

ـــــــــــــــــــــــــ معنى "الحكمة"،..

هذه الكلمة كانت محط جدال عريض بين القُرآنيين السفهاء وبين السلفية البلهاء،. كل منهم يستخدم ذات الكلمة للدلالة على منهجه،. فالسلفي يقول الحكمة هي سنة النّبي ﷺ،. ودليله قول الله لنساء النّبي ﷺ،. ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا یُتۡلَىٰ في بُیُوتِكُنَّ *((مِنۡ ءَایَاتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِ))* إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِیفًا خَبِیرًا﴾ [الأحزاب 34]،.

والقرآني يقول بأن الحكمة هي الاحتكام لكتاب الله،. والحكم بين الناس بهذا القُــرآن،. ودليله أن الحكمة من مشتقات الحُكم،. وقد قال الله،. ﴿وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَابَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَابِ وَمُهَیۡمِنًا عَلَیۡهِ *((فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ))* وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡ عَمَّا جَاۤءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّ ..... ۝ *((وَأَنِ ٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ))* وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن یَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَیۡكَ...﴾ [المائدة 48 - 49]،.

وكلاهما مخطئ،. كلاهما يشتهي ويظن، كلاهما يفسر بهواه وظنه،. دون تدبر وصبر، دون بصيرة وعلم،.

وبتدبرنا هذا لكلمة الحكمة سيسقط استدلال السلفي، ولكن لا نسقط حجية السنة وكلام النّبي ﷺ والحديث المطهر الشريف،. فالحديث حقٌ، وحجةٌ على الناس، ووحيٌ من الله بلا ريب،. والبينات عليها كثيرة جداً [ليس هذا موضعها]، أما هذا الاستدلال هذا فهو غلط،. نقول هذا حتى لا يفرح النكراني بردنا على السلفي،. ولا يفرح السلفي ويظن أننا ننتصر لصالح النكراني،.

سنتكلم الآن عن *"الحكمة"* بلام العهد، أو لام التعرِفة، أو اللام المُعرَّفَة، وليس عن "الحُكم، ولا الحِكم، ولا التحكيم،. ولا الحكام، ولا الإحكام"،. إنما عن "الحكمة" فحسب،. ولو أن جميع ما سبق يحمل بين طياته معنى ضمنياً واحداً وهو الضبط والقوة والسيطرة،. وضده التفلت والصبوة والتغيّر،.

ذكرت "الحكمة" مع آل إبراهيم [الذين اصطفاهم الله]،. وذكرت مع أربعة أنبياء،. [داوود ولقمان وعيسى ومحمد،. عَلَيْهِم اْلصَّلَاْة وَاْلسَّلَاْم،. وذكرت مع الذين آتاهم الله الحكمة،. [وبلا شك هذه ليست لكل الناس]،. وذكرت الحكمة كذلك مع [الأوامر والوصايا] في سورة الإسراء،. وذكرت بكثرة في سورة المائدة،.

ذكرت الحكمة مع 4 أنبياء فقط بالتصريح، دون بقية الأنبياء،. فليس كل الأنبياء ذكرت معهم الحكمة،. فالحكمة لم تذكر مع نوح، ولا شعيب،. ولا موسى [رغم أن عنده التوراة]،. فالحكمة ليس لها علاقة بالكتب،. ولا بسنن الأنبياء،. ولكن عليك أن تنظر في هؤلاء الأربعة،. لتفهم لماذا هم بالتحديد،. وما علاقة ذلك بدعوتهم؟!،.

الحكمة، ليست كما ادعى كثير من الناس أنها هي السنة أو تفاصيل وفقه الصلاة والصيام،. ولا حتى هي آيات القُــرآن،. إنما هي إحكام وضبط النفس عن الشهوات التي يرغب الإنسان بفعلها، فالحكمة قيلت في الأوامر والنواهي، فهي (المواعظ) ليحكم الانسان نفسه فيصبر ويملك نفسه ويضبطها، يتحكم فيها،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ *((وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ))* وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة 231]،.

ربط الله الحكمة هنا بالموعظة،. فالحكمة مواعظ يعظها الأنبياء لأقوامهم،. ليحكموا أنفسهم عن شهواتها،. الحكمة لها علاقة بنبذ الدنيا والشهوات والأهواء، والصبر عليها حتى الممات،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ *((يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ))* وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران 164]،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ *((يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ))* وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة 2]،.

قال اْللّٰه،. ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا *((وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ))* وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي..﴾ [المائدة 110]،. وقال،. ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ۝ *((وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ))﴾* [آل عمران 47 - 48]،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ *((مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ))* إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [اﻷحزاب 34]،. أي من أفعال النّبي ﷺ وكيف كان يحكم نفسه باتباع الكتاب،. وكيف كان يتقي ويصبر، وكيف كانت حياته وخُلقُه وماهي مواعظه للناس [سواء من أصل القُــرآن أو مما أوحاه اللّٰه إليه من غير القُــرآن]،.

الكتاب هو القرآن والسنة،. أما الحكمة فهي المواعظ، لضبط النفس عن المعاصي والشهوات، الحكمة هي ما علمناها من القُــرآن، بالبينات،. لا يمكن اختصار تعريفها في كلمة، بل هي الحكمة،. وتُضادُّها الصباوة والتفلت،.

أكثر سورة حوت جميع مشتقات الحكمة هي المائدة [19 مرة]، ولكن أكثر سورة ذكرت كلمة "الحكمة" المعرفة بلام العهد، هي البقرة [6 مرات]،.

نبدأ بأولها، لأنها شارحة ومفسرة بقوة، لمعنى الحكمة،. وهي آية ﴿يؤتي الحكمة من يشاء﴾،. ثم نتكلم عن بقيتها لننظر دقة القُــرآن، ومدى توافق الكلمة في كل مواقعها في القُــرآن،. وأنها كلها تصب في معنى واحد منسجم ومتناسق،.

1 ــــــــ يؤتي الحكمة من يشاء،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿یُؤۡتي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن یَشَاۤءُ وَمَن یُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَابِ﴾ [البقرة 269]،.

بالنظر في سياق هذه الآية، تجدها جائت في منتصف الكلام عن الإنفاق،. قالَ اْللّٰه،. ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ *[[أَنفِقُوا۟ مِن طَیِّبَاتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّاۤ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا تَیَمَّمُوا۟ ٱلۡخَبِیثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ]]* وَلَسۡتُم بِآخِذِیهِ إِلَّاۤ أَن تُغۡمِضُوا۟ فِیهِ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌ حَمِیدٌ ۝ ٱلشَّیۡطَانُ یَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَیَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱللَّهُ یَعِدُكُم مَّغۡفِرَةࣰ مِّنۡهُ وَفَضۡلࣰا وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِیمࣱ ۝ *((یُؤۡتي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن یَشَاۤءُ وَمَن یُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا))* وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَابِ ۝ *[[وَمَاۤ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ]]* أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرࣲ فَإِنَّ ٱللَّهَ یَعۡلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِینَ مِنۡ أَنصَارٍ﴾ [البقرة 267 - 270]،.

وحين تسمع كلمة النفقة، تستحضر معه مباشرةً حب المال، وشدة تعلق الناس به، فالمال معدن الدنيا، حين تسمع كلمة النفقة،. تتذكر كل ما يتعلق بالمال، وجمعه، والحرص عليه، والاستثمار فيه، والإكثار منه، وعَدُّه وكنزه ووعاؤه [حفظه]،. والمال أكثر شيءٍ يتعلق به قلب الإنسان،. فهو معدن الدنيا،. ثم تلحقها الأمور الاخرى كالسمعة والمكانة والشهرة وكثرة الاتباع والجاة،.

المال فتنة، قالَ  اْللّٰه،. ﴿إِنَّمَاۤ *((أَمۡوَالُكُمۡ وَأَوۡلَادُكُمۡ فِتۡنَةࣱ))* وَٱللَّهُ عِندَهُ أَجۡرٌ عَظِیمࣱ﴾ [التغابن 15]،. وقال،. ﴿وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَاۤ *((أَمۡوَالُكُمۡ وَأَوۡلَادُكُمۡ فِتۡنَةࣱ))* وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجۡرٌ عَظِیمࣱ﴾ [الأنفال 28]،. قال اعلموا، لأن المؤمن قد يغفل فيظنها جيدة وضرورية،. ولا يدري أن المال فتنة،. فمهما حاولوا تلميعها ستبقى فتنة،. الله هو الذي قال عنها أنها فتنة،.

فالمال فتنة عظيمة، وهي ليست كبقية الفتن،. هذه الفتنة شديدة لأنها محبوبة للأنفس، هي فتنة يشتهيها الانسان بقوة ((لأنها مغلّفة بغلاف الخير))،. فهو يريدها، يبذل لأجلها جهد المقل، وصحة الجسم، وقوة الشباب، وتعب السنين بل دهراً من العمر،. لينال هذه الفتنة،. تصوّر ذلك!،. يسعى لينال الفتنة،.

إن حصل على هذه الفتنة فرح واستبشر،. وإن فاتته الفتنة تذمّر وتحسر وسخط،. وإن أُغلقت دونه أبوابها يئس وتندّم، وإن تجاوزته الفتنة لأخيه أو صاحبه وجاره حسده عليها،. يدعو الله ليل نهار أن يؤتيه "هذه الفتنة"،. وإن رأى أمه تدعو الله في خشوع، سألها أن تدعو ليفتح الله عليه أبواب "هذه الفتنة"،. هذه ليست مبالغة،. كلنا يفعل هذا،.

من مصائب هذه الفتنة الخطرة، أن لها مدافعون يجتهدون في تلميعها وإظهارها أنها حسنة، ليجعلوها ضرورة لازمة من ضرورات الدين،. وهؤلاء ليسوا من عامة الناس والجهلة، إنما من عِلية القوم وأشرافه، يسميهم البعض علماء،. ربطوا عز هذه الأمة بــ "هذه الفتنة"،. وقد رأيت من عكف سنيناً طويلة، يؤلف فيها ليثبت أن "هذه الفتنة" جيدة جداً لتقدم المسلمين وحضارتهم،.

لن أبالغ أبداً لو قلت بأن معظم ما نقوم به في حياتنا هو لأجل الحصول على هذه الفتنة،. من الدراسة، والجامعة والعمل والسهر والهجرة والاغتراب، بل لأجل هذه الفتنة قامت مظاهرات واعتصامات بل حروب وتدمير وقتل وتخريب،.

ــــ فتنة،. ونحبها،.

تكمن خطورة هذه الفتنة أننا نحبها بشهادة الله، فحب هذه الفتنة مزروع فينا كلنا،. قال رسُول اللّٰه ﷺ،. ﴿ﻳﻜﺒﺮ اﺑﻦ ﺁﺩﻡ، ﻭﻳﻜﺒﺮ ﻣﻌﻪ اﺛﻨﺎﻥ ((ﺣﺐ اﻟﻤﺎﻝ))، ﻭﻃﻮﻝ اﻟﻌﻤﺮ﴾ ﻭﻓﻲ ﺭﻭاﻳﺔ،. ﴿ﻳﻬﺮﻡ اﺑﻦ ﺁﺩﻡ، ﻭﺗﺒﻘﻰ ﻣﻨﻪ اﺛﻨﺘﺎﻥ: اﻟﺤﺮﺹ، ﻭاﻷﻣﻞ﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، وغيرهم،. وﻗﺎﻝ،. ﴿ﻗﻠﺐ اﻟﺸﻴﺦ ﺷﺎﺏ ﻋﻠﻰ ﺣﺐ اﺛﻨﺘﻴﻦ ((ﺣﺐ اﻟﻌﻴﺶ، ﻭاﻟﻤﺎﻝ))﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﺤﻤﻴﺪﻱ، ﻭﺃﺣﻤﺪ، ﻭﻣﺴﻠﻢ.

وقالَ اْللّٰه،. ﴿زُیِّنَ لِلنَّاسِ ((حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡبَنِینَ وَٱلۡقَنَاطِیرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَیۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَامِ وَٱلۡحَرۡثِ)) ذَلِكَ مَتَاعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ﴾ [آل عمران 14]،.

أحببناه حباً جماً،. قالَ اْللّٰه،. ﴿لَّیۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡآخِرِ وَٱلۡمَلَائكَةِ وَٱلۡكِتَابِ وَٱلنَّبِیّينَ *((وَءَاتَى ٱلۡمَالَ [عَلَى حُبِّهِ] ذَوِي ٱلۡقُرۡبَى وَٱلۡیَتَامَى وَٱلۡمَسَاكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤئلِینَ وَفِي ٱلرِّقَابِ))...﴾* [البقرة 177]،.

وقال،. ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡیَتِیمَ ۝ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِینِ ۝ وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلࣰا لَّمࣰّا ۝ *((وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبࣰّا جَمࣰّا))﴾* [الفجر 17 - 20]،.

ــــ المال خير، نحبه،. وحبنا له فتنة وبلاء،.

الله يسمي المال خيراً، قالَ اْللّٰه،. ﴿كُتِبَ عَلَیۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ *((إِن تَرَكَ خَیۡرًا))* ٱلۡوَصِیَّةُ لِلۡوَالِدَیۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِینَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [البقرة 180]،.

وقال،. ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودࣱ ۝ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِیدࣱ ۝ *((وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلۡخَیۡرِ لَشَدِیدٌ))* ۝ أَفَلَا یَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ﴾ [العاديات 6 - 9]،.

هذه الفتنة مغلّفة بغلاف الخير، لهذا لا نشعر أنها فتنة وبلاء،. قالَ اْللّٰه،. ﴿كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤئقَةُ ٱلۡمَوۡتِ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ *((وَٱلۡخَیۡرِ فِتۡنَةࣰ))* وَإِلَیۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾ [الأنبياء 35]،.

نبلوكم،. البلاء معلوم، يكون في شر،. لهذا قال ﴿وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ﴾،. ولكن يبتلينا بالخير؟!،. هذه غريبة،. ولكن لاحظ،. سمى الله بلاء الخير بأنه فتنة،. ﴿وَٱلۡخَیۡرِ فِتۡنَةࣰ﴾،. هنا تفهم أن بعض الخير شر،. وهذا الخير هو المال،.

فحب المال مفطورٌ فينا،. وهنا تكون الفتنة،. فبسبب هذا الحب المفطور فيهم، ظن الناس أنها خيرات، وإن أعطاهم الله فهو يحبهم،. بينما هو على العكس تماماً ولكن الناس لا يشعرون،. قالَ اْللّٰه، ﴿فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِینٍ ۝ أَیَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِه مِن *((مَّالࣲ وَبَنِینَ ۝ نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَیۡرَاتِ؟))* بَل لَّا یَشۡعُرُونَ﴾ [المؤمنون 54 - 56]،.

المال يعلق قلبك بالدنيا،. وأنت تحبه، ولا تريد أن تنفقه لأنك *تحبه،.* وهذه شهوة قوية لديك،. لا تستطيع الفكاك منها حتى تُحكِم *حبك للمال* فتتحكم بشهوتك في المال،. فتنفقه لوجه الله،. ترجو بذلك ثواب الآخرة،.

قالَ نَبِيّ اْللّٰه ﷺ،. ﴿..ﻣﻦ ﻳﺴﺘﻌﻔﻒ ﻳﻌﻔﻪ اﻟﻠﻪ، ﻭﻣﻦ ﻳﺴﺘﻐﻦ ﻳﻐﻨﻪ اﻟﻠﻪ، ﻭﻣﻦ ﻳﺘﺼﺒﺮ ﻳﺼﺒﺮﻩ اﻟﻠﻪ، *((ﻭﻣﺎ ﺃﻋﻄﻰ اﻟﻠﻪ ﺃﺣﺪا ﻣﻦ ﻋﻄﺎء ﺃﻭﺳﻊ ﻣﻦ اﻟﺼﺒﺮ))﴾* ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﺤﻤﻴﺪﻱ، ﻭﺃﺣﻤﺪ، ﻭاﻟﺪاﺭﻣﻲ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭاﻟﺘﺮﻣﺬﻱ، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ.

وفي الحديث، النّبي ﷺ يتكلم عن التعفف والاستغناء،. والصبر على الفقر والبلاء، فلو صبرت وأنفقت مالك الطيب الذي تحبه،. *(وهو أصعب شيء على نفسك،.)* فقد صبرت وحكمت شهوتك وتخلصت من حبك للدنيا،. فالانفاق حِكمة،. ولن تنفق حتى تُحكم هذه الشهوة في حب هذا المال،. فتتخلص منه،. لهذا جعل الله،. ﴿یُؤۡتي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن یَشَاۤءُ﴾،. في منتصف آيات النفقة،.

قال الله،. وَمَن یُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَیۡرࣰا كَثِیرࣰا،.
قال الرسول ﷺ،. ﻣﺎ ﺃﻋﻄﻰ اﻟﻠﻪ ﺃﺣﺪا ﻣﻦ ﻋﻄﺎء ﺃﻭﺳﻊ ﻣﻦ اﻟﺼﺒﺮ،.

وهذه تفسر تلك،..

2 ــــــــــ الحكمة في سورة الإسراء،.

توجد آيات في سورة الإسراء، قالَ اْللّٰه بعدها أنها ذلك من الحكمة،. قالَ اْللّٰه،. ﴿ذَلِكَ مِمَّاۤ أَوۡحَىٰۤ إِلَیۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومࣰا مَّدۡحُورًا﴾ [الإسراء 39]،.

فماذا كان ذلك؟! وكيف نفهم الحكمة فيها؟!،.

ستجد أن الآيات جميعها أوامر ونواهي يلزمها ((إحكام)) للنفس عن شهواتها ورغباتها، وكلها بحاجة لضبط نزوات النفس لفعلها،. والملاحظ أنها لم تكن عن العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج مطلقاً،.

قالَ اْللّٰه،. [1] لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ،... [2] وَبِٱلۡوَالِدَیۡنِ إِحۡسَانًا،.... وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ،.... [3] وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُ وَٱلۡمِسۡكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ،.... [4] وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِیرًا،... [5] فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلࣰا مَّیۡسُورࣰا،.... [6] وَلَا تَجۡعَلۡ یَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ،... [7] وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَوۡلَادَكُمۡ خَشۡیَةَ إِمۡلَاقࣲ،..... [8] وَلَا تَقۡرَبُوا۟ ٱلزِّنَا،... [9] وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ،..... [10] وَلَا تَقۡرَبُوا۟ مَالَ ٱلۡیَتِیمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ،.... [11] وَأَوۡفُوا۟ بِٱلۡعَهۡدِ،.... [12] وَأَوۡفُوا۟ ٱلۡكَیۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ،.... [13] وَزِنُوا۟ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِیمِ،... [14] وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِ عِلۡمٌ،.... [15] وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًا،... ثم قال،. ذلك مِمَّاۤ أَوۡحَىٰۤ إِلَیۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِ،.

فالحكمة كانت في الأوامر والنواهي،. وليست في فقه الصلاة والزكاة والصيام،. فالحكمة ليست العبادات،. إنما هي الموعظة لضبط الأنفس عن تفلتاتها،. هذه بحاجة لإحكام النفس،. لهذا سميت حكمة،.

وهذه الآيات التي تكلمت عن الحكمة،. معظمها كان متعلقاً بالمال [الذي هو معدن الدنيا]،. فكان فيها عقوق الوالدين [ولم يشغلك عنهم إلا الدنيا]،. وكان منها إتيان المساكين حقهم [هذه النفقة]، والنهي عن التبذير [هذا حب الاستثمار]،. وجعل اليد مغلولة [هذا البخل وقبض اليد]،. قتل الأبناء خشية الفقر [هذا لأجل التوفير]،. لا تقربوا مال اليتيم [هذا استغلال مال الضعيف]،. الوفاء بالعهد [معظم خيانات العهود تحصل بسبب المال]،. أوفوا الكيل وزنوا بالقسطاس [هذا الغش والتطفيف لأجل المال]،. لا تقف ما ليس لك به علم [التصدر والتفلسف لاجل السمعة ولفت الانظار وحب التفاف الناس حولك]،. لا تمش في الأرض مرحاً [الكبر سمة المترف المنعم كثير المال]،.

فكل ما سبق كان بسبب الدنيا العاجلة،. فسماه الله "الحكمة"، لتحكم نفسك عن شهواتك الدنيوية،.

قبل أن يتكلم الله عن هذه المواعظ والحكمة،. قال،. ﴿مَّن كَانَ *((یُرِیدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُ فِیهَا مَا نَشَاۤءُ لِمَن نُّرِیدُ))* ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُ جَهَنَّمَ یَصۡلَاهَا مَذۡمُومࣰا مَّدۡحُورࣰا ۝ *((وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡیَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ))* فَأُو۟لَئكَ كَانَ سَعۡیُهُم مَّشۡكُورࣰا ۝ *((كُلࣰّا نُّمِدُّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ وَهَـٰۤؤُلَاۤءِ مِنۡ عَطَاۤءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاۤءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا))* ۝ ٱنظُرۡ كَیۡفَ *((فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲ))* وَلَلۡآخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَاتࣲ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِیلࣰا ۝ لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومࣰا مَّخۡذُولࣰا﴾ [الإسراء 18 - 22]،.

فالكلام كله كان عن العاجلة الفانية، الدنيا،. تلزمك الحكمة لتنجيك منها،. وهذه تشبه الوصايا التي في سورة الأنعام،.

قالَ اْللّٰه فيها،. ﴿قُلۡ تَعَالَوۡا۟ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَیۡكُمۡ،.
❒1 ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
❒2 ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾
❒3 ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾
❒4 ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
❒5 ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ *ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ* لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ [الأنعام 151]،.
❒6 ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾
❒7 ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
❒8 ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾
❒9 ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا *ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ* لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام 152]،.
❒10 ﴿وَأَنَّ هَٰذَا ((صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا)) فَاتَّبِعُوه وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ *ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ* لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [اﻷنعام 153]،.

كذلك قالَ اْللّٰه قبلها،. ﴿قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَاۤءَكُمُ ٱلَّذِینَ یَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡ *((وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ))* وَهُم بِرَبِّهِمۡ یَعۡدِلُونَ﴾ [الأنعام 150]،.

والذي لا يؤمن بالآخرة، أحب الدنيا وتعلق بها، واتبع هواه،.

3 ــــــــــــــ الحكمة الاحكام والحكيم في المائدة [سورة عيسى]،.

قال إبراهيم في سورة إبراهيم،.. ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي *((فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ))﴾* [إبراهيم 36]،.

بينما قال عيسى بن مريم ﷺ في أواخر سورة المائدة،. ﴿...فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ۝ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ *((فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))﴾* [المائدة 117 ــ 118]،.

لم يقل المسيح (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الغفور الرحيم)،. كما قالها إبراهيم، لماذا؟،.

مع أنها لو تركت لنا (بمفهومنا القاصر) سنقول بأن الغفور هو الاسم اللائق المناسب هنا، لأنه يتكلم الآن عن المغفرة!،. لكنه ما قالها، بل قال،. ﴿فَإِنَّكَ أَنْت الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾،.. لماذا؟،..

هذا يعني أن الأمر أمرك،.. والشأن شأنك،.. ليس لي من الأمر شيء،. تفعل ما تريد، تفعل بمشيئتك أنت،. وبما تحكم به أنت،..

وردت تصريفات جذر حَكَمَ في سورة المائدة لوحدها 19 مرة،.. وهي أكثر من سورة البقرة (التي هي 16 مرة)! وكان من بينها هذه الآيات الشهيرة،. ﴿..وَمَنْ *لَمْ يَحْكُمْ* بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة 44]،.. وفيها،. ﴿..وَمَنْ *لَمْ يَحْكُمْ* بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة 45]،.. وفيها،. ﴿..وَمَنْ *لَمْ يَحْكُمْ* بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة 47]،.

قال اللّٰه عن نفسه في القُــرآن،.
﴿..وَلَٰكِنَّ اللَّهَ *يَفْعَلُ* مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة 253]،.
﴿..كَذَٰلِكَ اللَّهُ *يَفْعَلُ* مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران 40]،.
﴿..إِنَّ رَبَّكَ *فَعَّالٌ* لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود 107]،.
وقال في البروج،. *﴿فَعَّالٌ* لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج 16]،.
﴿..إِنَّ اللَّهَ *يَفْعَلُ* مَا يُرِيدُ﴾ [الحج 14]،.
﴿..وَأَنَّ اللَّهَ *يَهْدِي* مَنْ يُرِيدُ﴾ [الحج 16]،.
﴿..إِنَّ اللَّهَ *يَفْعَلُ* مَا يَشَاءُ﴾ [الحج 18]،.

لكن الله (الحكيم) من حكمته، قال في أول آية في سورة المائدة،. ﴿..إِنَّ اللَّهَ *(يَحْكُمُ)* مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة 1]،. وهذه الجملة لم تتكرر في القُــرآن كله إلا في المائدة،.. التي قال فيها ابن مريم،.. *﴿..فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾،.* ولكن لماذا خصت سورة المائدة بالحكمة؟!،.

لأن الخطاب في هذه السورة بالذات، موجه للمؤمنين حتى (يحكموا) أنفسهم،. ولا ينثنوا وينقلبوا من بعد إيمانهم خاسرين،.

فبدأت السورة بالخطاب المباشر الموجه للمؤمنين فقط،. بدأت بــ *﴿((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا))* أَوْفُوا بِالْعُقُودِ..﴾ [المائدة 1]،.

ثم وردت فيها جملة،. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..﴾،. أكثر ما وردت في القُــرآن في سورة المائدة،. ذكرها الله 16 مرة،.

فالسورة من أولها خطابٌ للمؤمنين خصيصاً، وليست للكافرين،. قال الله فيها للمؤمنين،. ﴿...*((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ))* أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا...﴾ [المائدة 2]،. والإعتداء يصدر من قويٍ متمكن،. وكأن اللّه يقول لهم احذروا،. لا تفسدوا إيمانكم بعد أن تمكنتم،.. وهذا من ((إحكام النفس))،.

وللعلم هذه السورة نزلت بعد الفتح،. أي بعد أن تمكّن المسلمون وصار لهم قوة،. فحتى لا يغتروا بأنفسهم ولا يظلموا ويعتدوا الآن انتقاماً من الكفار،. قال لهم مجدداً،. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ *((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا))* اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللّه...﴾ [المائدة 8]،.

في هذه السورة قال موسى ﷺ لقومه،. ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ *فَـ((ـتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ))﴾* [المائدة 21] ،.

في هذه السورة،. اغترت اليهود والنصارى بأنفسهم،. *﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ...﴾* [المائدة 18]،. ولكن لم يحكموا أنفسهم عن شهواتها،. قالَ اْللّٰه،. *﴿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾* [المائدة 62]،. ظلما وعدوانا،.

في هذه السورة قال اللّه،. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ...﴾ [المائدة 101]،. أمسك نفسك، اضبطها عن فضولها، لا تسأل عما لا يعنيك والتزم حدودك،. *وهذه تحتاج (لإحكام النفس)،.* لتصارع رغبةً مزروعة فيك،.

في هذه السورة قال اللّه للمؤمنين،. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا *((عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ))* لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة 105]،. أي لا تتدخل بما لا يخصك انت،. لا تنظر لعيب غيرك،. *اهتم بنفسك،. (وهذا من إحكام النفس)،.*

فحتى لا يقع المؤمنون في مثل ما وقع فيه من قبلهم،. حذرهم الله بأن قصَّ عليهم قصةً عظيمة،. تحذرهم وتنبههم ألا يقعوا بمثله،. ألا وهي قصة ابني آدم،. فالتقي منهم *لم (يحكم نفسه)* بعد أن تقبل الله منه،. فقال،. ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين﴾،. تقبل الله منه،.. فأعجب بنفسه *ولم يحكمها ويحافظ عليها*،.. فقتل أخاه،. ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِين﴾،. السورة فيها تنبيه على المؤمن المتقي أن لا يخسر نفسه ولا يغتر بنفسه أنه تقي،. بل فليحافظ على تقواه وإيمانه! *وهذا من الإحكام،.*

في هذه السورة التي امتلئت بالإحكام ومعانيها وصورها،. قالَ اْللّٰه في أولها،. ﴿..إِنَّ اللَّهَ (يَحْكُمُ) مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة 1]،. وقال ابن مريم في آخرها،. ﴿..وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ((فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))﴾ [المائدة 118]،. إن غفرت لهم فهذا منك وحدك، فضل منك ورحمة منك وحدك،. ليس لأنهم أبناء الله وأحباؤه كما زعموا،.

ــــ قالَ اْللّه فيها،. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ۝ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ ((عَزِيزًا حَكِيمًا))﴾ [النساء 157 ــ 158]،. فالحكيم الذي يتحكم بكل شيء،. لا يحدث أمر إلا بمشيئته،. قالَ اْللّه،. ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ۝ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا...﴾ [آل عمران 54 ــ 55]،. ثم حين شُبّه لهم، وظنوا أنهم قتلوه!،.

قالَ اْللّٰه فيها [ولاحظ العجب بالنفس، الداعي للتفلت واتباع الهوى]،. ﴿وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَـٰۤؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰۤؤُهُ قُلۡ فَلِمَ یُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلۡ أَنتُم بَشَرࣱ مِّمَّنۡ خَلَقَ یَغۡفِرُ لِمَن یَشَاۤءُ وَیُعَذِّبُ مَن یَشَاۤءُ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَا وَإِلَیۡهِ ٱلۡمَصِير﴾ [المائدة 18]،.

وهذا الأمر الذي قالته اليهود والنصارى عن أنفسهم،. كان دافعاً لهم ليظنوا أنهم مقربون للّٰه،. وأن الله يحبهم، ومهما فعلوا وأفسدوا بعدها، فلن يآخذهم ولن يعذبهم كما قالوا في البقرة،. ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰ..﴾ [البقرة 80]،.

فبعث الله لهم عيسى بن مريم،. ليحكموا أنفسهم عن هذا،. فقال الله،. ﴿وَلَمَّا جَاۤءَ عِیسَىٰ بِٱلۡبَیِّنَاتِ *((قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ))* وَلِأُبَیِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِیهِ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُونِ﴾ [الزخرف 63]،.

4 ـــــــــ لماذا جاء عيسى بالحكمة؟!،.

قال الله،. ﴿وَلَمَّا جَاۤءَ عِیسَىٰ بِٱلۡبَیِّنَاتِ *((قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ))* وَلِأُبَیِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِیهِ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُونِ﴾ [الزخرف 63]،.

عيسى جاء بعد موسى،. وقوم موسى هم الذين اتخذوا العجل في عهده،. اتخذوه وهو معهم،. فحين مات موسى وهارون،. صاروا أبعد عن دينهم، وزاد حبهم للعجل وتعلقهم بالعاجلة،.

والعجل إنما كان يرمز للدنيا وزينتها،.. بدليل،.

أ ــ قالَ اْللّٰه،. ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنْ بَعْدِهِ ((مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا)) جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [اﻷعراف 148]،. فالعجل نفسه كان من الحلي،. والحلي زينة الذهب والفضة،. قالَ اْللّٰه،. ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا ((حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ)) فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه 87]،.

فالعجل كان من الزينة والحليّ! اللذان هما مغريات الدنيا،. قالَ اْللّٰه،. ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا ((الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)) لَعِبٌ وَلَهْوٌ ((وَزِينَةٌ)) وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ...﴾ [الحديد 20]،. وهذا التشابه بين العجل والدنيا،. لأن العجل كان رمزاً للدنيا،.

ب ــ ولأن الله لا يجازي الناس إلا بمثل السيئة،. ﴿مَنۡ عَمِلَ سَیِّئَةࣰ فَلَا یُجۡزَىٰۤ إِلَّا مِثۡلَهَا..﴾ [غافر 40]،. وقال،. ﴿جَزَاۤءࣰ وِفَاقًا﴾ [النبأ 26]،. أي أن الجزاء سيكون من جنس العمل،. يوافق السيئة ولا ظلم فيها،. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَیۡـࣰٔا وَلَكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ یَظۡلِمُونَ﴾ [يونس 44]،.

فكان جزاء الذين اتخذوا العجل [الدنيا]،. أن يفارقوها،. قال الله،. ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ *((یَاقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوۤا۟ إِلَىٰ بَارِئكُمۡ فَٱقۡتُلُوۤا۟ أَنفُسَكُمۡ))* ذَلِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئكُمۡ فَتَابَ عَلَیۡكُمۡ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِیمُ﴾ [البقرة 51 - 54]،.

وقال كذلك،. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ((وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ)) بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ *((قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))﴾* [البقرة 93 ــ 94]،.

فقتلهم لأنفسهم سيكون بمثابة البرهان على تخليهم من الدنيا وإخلاصهم للآخرة، إن كانوا صادقين في توبتهم لله،.

ج ــ قالَ اْللّٰه،. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ((اتَّخَذُوا الْعِجْلَ)) سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ((الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [اﻷعراف 152]،. جعل الله عليهم الغضب والذلة في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا،. لأن العجل رمز للْحَيَاةِ الدُّنْيَا،. والجزاء من جنس العمل،. وفاقاً،.

د ــ والله يسمي الدنيا اسماً يشبه ما أحبه بني إسرائيل،. قالَ اْللّٰه،. ﴿مَّن كَانَ یُرِیدُ *((ٱلۡعَاجِلَةَ))* عَجَّلۡنَا لَهُ فِیهَا مَا نَشَاۤءُ لِمَن نُّرِیدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُ جَهَنَّمَ یَصۡلَتهَا مَذۡمُومࣰا مَّدۡحُورࣰا ۝ وَمَنۡ أَرَادَ *((ٱلۡـَٔاخِرَةَ))* وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡیَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَأُو۟لَئكَ كَانَ سَعۡیُهُم مَّشۡكُورࣰا﴾ [الإسراء 18 - 19]،. وقال،. ﴿كَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ *((ٱلۡعَاجِلَةَ ۝ وَتَذَرُونَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ))﴾* [القيامة 20 - 21]،. وقال كذلك،. ﴿إِنَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ یُحِبُّونَ *((ٱلۡعَاجِلَةَ وَیَذَرُونَ وَرَاۤءَهُمۡ یَوۡمࣰا ثَقِیلࣰا))﴾* [الإنسان 27]،.

كل ذلك الحب الشديد للدنيا كان عند اليهود،. فأرسل الله مع عيسى معه الحكمة،. ليعظهم ويبعدهم عن الدنيا مجدداً، كما وصاهم موسى من قبل،.

وهنا نذكّر أنفسنا بأن عجلنا اليوم أحلى وأسمن وأملأ من عجل بني إسرائيل، فدنيانا فيها من الزخرف والزينة والمال ما يلهينا أكثر عن الآخرة،. وقد تعلقت قلوبنا بالدنيا، فسِرنا على سننهم كما أخبرنا النّبي ﷺ،. ﴿ﻟﺘﺘﺒﻌﻦ ﺳﻨﻦ ﻣﻦ ﻗﺒﻠﻜﻢ ﺷﺒﺮا ﺑﺸﺒﺮ، ﻭﺫﺭاﻋﺎ ﺑﺬﺭاﻉ...﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺃﺣﻤﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ،.

وإن كان الواحد منا يتخيل زمن بني إسرائيل [وكل مافي دنياهم بعض الإبل والخيل والحرث، ولو كثر ذهبهم] هو لا شيء بالمقارنة بزماننا، من الرفاهية وموارد الطاقة والمدنية والحضارة والزخرف والأنوار والسيارات والبيوت والطائرات والانترنت والاجهزة ووو .... إلخ،. فلو كان الله عاب على بني إسرائيل تعلقهم بالدنيا [ودنياهم حافية]،. فكيف بدنيانا نحن الآن [الممتلئة]؟!،. تاللّٰه أنها أعظم فتنة نحن فيها،.

5 ــــــــــ الحكمة عند لقمان،..

قبل البت في "الحكمة" التي عند لقمان،. علينا أن نعرف من هو لقمان؟!،. ثم نربط بينه وبين الحكمة لنعرف لماذا آتاه الله الحكمة من دون كثير من الأنبياء والرسل،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ *((لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ۝ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ))* نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص 29 ــ 30]

بعد أن أمرنا الله بالتدبر، ذكر بعدها مباشرة داود وسليمان،. وكأنه يُفترض أن يكون لهما النصيب الأكبر من التدبر،. وكأنك لن تفهم قصة داود وسليمان إلا بالتدبر،. وربط الآيات ببعض،.

ــــ لقمان هو داوود، والد سليمان عَلَيْهما اْلصَّلَاْة وَاْلسَّلَاْم،. وذلك لكثرة التشابه بينهما،.

1 ــــــــ الوراثة بين الأب والابن،.

في القُــرآن 4 أنبياء لهم أبناء حضروهم،. إبراهيم وله إسماعيل وإسحاق،.. ويعقوب وله يوسف،.. وزكريا وله يحيى،.. وداود وله سليمان،..

رجل يوصي ابنه بــ ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ *((وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ۝ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ))* إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان 18 ــ 19]،.

تفهم من هذه الموعظة أن الواعظ ذو منزلة جليلة هو وابنه الذي سيرثه، فيخشى أن يتكبَّر ابنه على الناس من بعده فيصعر خده لهم، ويمشي في الأرض مرحاً مختالاً،. وأن يرىٰ نفسه فوقهم فيظلمهم،. وهذه المنزلة العظيمة، هي منزلة الملوك والأمراء والسلاطين،. ولم يكن من بين الأنبياء ملكٌ أو وخليفة، أو سلطان إلا (داود وابنه سليمان)، الذي ورثه بعده!،. ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ..﴾ [النمل 16]،.

2 ــــــ وعظ لقمان ابنه، فذكر المشي مرتين،. ﴿..وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا..﴾،. وقال،. ﴿..وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ..﴾،.

وقد ذكر الله (المشي مرحاً) كذلك في سورة الإسراء،. وقال بعدها أنها من الحكمة،. ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ۝ ((وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا)) إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ۝ كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ۝ ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ ((مِنَ الْحِكْمَةِ)) وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [اﻹسراء 36 - 39]،.

قالَ اْللّٰه في بداية قصة لقمان الذي وعظ ابنه إلا يمشي مرحاً،. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ((الْحِكْمَة))..﴾ [لقمان 12]،.

3 ــــــــ الحكمة،.

قالَ اْللّٰه عن لقمان،. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة..﴾ [لقمان 12]،.

وقال عن داود في أول ذكر له في القُــرآن،. ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ((وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ)) وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة 251]،.

قالَ اْللّٰه عن داود،. ﴿ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا یَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلۡأَیۡدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ۝ إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُ یُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ۝ وَٱلطَّیۡرَ مَحۡشُورَةࣰ كُلࣱّ لَّهُ أَوَّابࣱ ۝ *((وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُ وَءَاتَیۡنَاهُ ٱلۡحِكۡمَةَ))* وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ﴾ [ص 17 - 20]،.

ــــ ولقمان كان يعظ ابنه،. ﴿وَإِذْ قَالَ ((لُقْمَانُ لِابْنِهِ)) وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان 13]،.

وفي سورة لقمان آية تتكلم أنه يوم الدين، لن ينفعك أحد من أرحامك وخصص فيها ذكر (الولد والوالد) دون بقية الأرحام،. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان 33]،.

بينما في غيرها، مثلاً،. ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۝ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۝ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ۝ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس 34 ــ 37]،. وقالَ اْللّٰه،. ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ/يُفْصَلُ/يُفَصَّلُ/يُفَصِّلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الممتحنة 3]،.

4 ــــــــ الشكر،.

قال سليمان بن داوود،. ﴿..قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ((أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ)) فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل 40]،.

وقال لقمان لابنه،. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ((أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ)) فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان 12]،.

قالَ اْللّٰه لآل داود،. ﴿..((اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا)) وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ 13] قال آل داود، وليس آل سليمان، بينما الآيات هنا عن سليمان،.

5 ــــــــ الإنابة،.

في سورة لقمان، قالَ اْللّٰه،. ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ((وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ)) ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان 15]

قالَ اْللّٰه عن داود،. ﴿..وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا ((وَأَنَابَ))﴾ [ص 24]،.

كذلك قالَ اْللّٰه عن ابن داود،. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ ((أَنَابَ))﴾ [ص 34]،.

6 ــــــــ الكلام والصوت،.

داوود ﷺ كان محارباً،. واسمه داود، من ((الدَّوِيّ)) أي الصوت العالي الجهير،.

عن طلحة بن عبيد الله قال ﴿جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، من أهل نجد، ثائر الرأس، ((يسمع دوي صوته))، ولا نفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال له رسول الله ﷺ : خمس صلوات في اليوم والليلة،......﴾ أخرجه مالك، وأحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والبزار، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان.

والصوت العالي في الحرب يعني الكثير!،.

رُويَ عن رسُول اللّه ﷺ أنه قال عن أبي طلحة -رَضِيَ اْللّهُ عَنْهُ- ﴿لَصَوْتُ أبي طلحةَ في الجَيْشِ خيرٌ من فِئَةٍ﴾ السلسلة الصحيحة - 1916 - إسناده صحيح على شرط مسلم، وفي رواية، ﴿لَصوْتُ أبي طلحةَ في الجيشِ خيرٌ مِنْ ألفِ رجلٍ﴾ صحيح الجامع - 5081 - صحيح.

ورُويَ عن النّبي ﷺ بسند فيه مقال، أنه قال لأبي موسى الأشعري حين سمعه يتغنى بالقرآن،. ﴿لو رأيتني وأنا أستمعُ لقراءتِكَ البارحةَ! لقد أُوتيتَ ((مزمارًا من مزاميرِ آلِ داودَ))﴾ صحيح مسلم - 793.

فداوود عَلَيْه اْلصَّلَاْة وَاْلسَّلَاْم له علاقة بالصوت!،.

وفي قصة لقمان،. تجده يعظ ابنه فيما يخص الصوت!،. ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ((وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ)) إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان 19]،.

وداود وسليمان،. يفهمان منطق الطير والنملة،.

7 ــــــــ المحاسبة والتخويف بالله عند الحكم بين الناس،.

قال لقمان لابنه،. ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان 16]،.

وفي سورة ((الأنبياء))،. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [اﻷنبياء 47]،.

وجاء في سورة الأنبياء ذكر داود وسليمان وهما يحكمان بين الناس،. ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [اﻷنبياء 78]،.

وداود آتاه الله فصل الخطاب،. فكان يخوف ابنه باللّٰه حتى يحكم بين الناس بالحق،.

8 ــــــــ العلم،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ *((وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ))* وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة 251]،.

وقال عنهما،. ﴿وَلَقَدۡ *((ءَاتَیۡنَا دَاوُودَ وَسُلَیۡمَانَ عِلۡمࣰا))* وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [النمل 15]،.

وفي قصة ملكة سبأ، قال سليمان،. *﴿..((وَأُوتِينَا الْعِلْمَ))* مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل 42]،.

وقال قبلها،. *﴿..((يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ))* وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل 16]،.

وفي آخر سورة لقمان،. ذكر الله العلوم الخمسة!،. ﴿إِنَّ اللَّهَ *((عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ))* وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ، وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان 34]،. وقالَ نَبِيّ اْللّٰه ﷺ،. ﴿ﻣﻔﺎﺗﻴﺢ اﻟﻐﻴﺐ ﺧﻤﺲ، ﻻ ﻳﻌﻠﻤﻬﺎ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ: ﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﻣﺎ ﺗﻐﻴﺾ اﻷﺭﺣﺎﻡ ﺃﺣﺪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ، ﻭﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﻣﺎ ﻓﻲ ﻏﺪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ، ﻭﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﻣﺘﻰ ﻳﺄﺗﻲ اﻟﻤﻄﺮ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ، ﻭﻻ ﺗﻌﻠﻢ ﻧﻔﺲ ﺑﺄﻱ ﺃﺭﺽ ﺗﻤﻮﺕ، ﻭﻻ ﻳﻌﻠﻢ ﻣﺘﻰ ﺗﻘﻮﻡ اﻟﺴﺎﻋﺔ ﺃﺣﺪ ﺇﻻ اﻟﻠﻪ﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ ﺑﻦ ﺟﻌﻔﺮ، ﻭﺃﺣﻤﺪ، ﻭﻋﺒﺪ ﺑﻦ ﺣﻤﻴﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ، ﻭاﺑﻦ ﺣﺒﺎﻥ.

9 ــــ متشابهات،.

ــ في سورة لقمان،. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ((مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ)) بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ۝ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان 25 ــ 26]،.

وفي سورة النمل التي فيها قصة سليمان،. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ۝ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ..﴾ [النمل 59 ــ 60]،.

ــ في سورة لقمان،. ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾ [لقمان 27]،.

في سورة الكهف التي فيها ذو القرنين (وهو سليمان)،. ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف 109]،.

فنقول بعد هذا التشابه واللّٰه أعلم، أن لقمان هو نبي الله داود أبو سليمان، لما وجدناه من التشابه بينهما،. وكلاهما أوتي الحكمة،. فالحكمة واحدة لشخص واحد،.

ــــــ داوود ملك،. يعني صاحب مال وسلطة وحكم وخلافة،. وقد ورثه سليمان،. يعني ورث منه مالاً كثيراً،. وهذا باعث على تعلق قلب سليمان بالدنيا،. خاصة أنه مالٌ مجاني مورَث بلا تعب،. أتاك جاهزاً،. وهذا النوع من المال،. يأكله الإنسان أكلا لماً،. بخلاف المال الذي أتى بجهد وعمل،.

المال المجني بالتعب والجهد والجمع تحبه،،.. أما الميراث،. قالَ اْللّٰه،. ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡیَتِیمَ ۝ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِینِ ۝ *((وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلࣰا لَّمࣰّا ۝ وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبࣰّا جَمࣰّا))﴾* [الفجر 17 - 20]،.

التراث،. هو الورث الذي ترثه من مال أبيك،. هذا المال أتاك بلا جهد وتعب،. فيرخص في عينك (فتصرفه بلا وازع ولا تفكير عميق)،. لهذا قالَ اْللّٰه عن الورث (تأكلون)،.

سليمان الآن سيرث داوود،. وهذا باعثٌ ودافعٌ لسليمان أن يأكل ويلعب بهذا الملك [المجاني] فيتفلّت،. فكان بحاجة للوعظ حتى يحكم نفسه فلا يزيغ ولا يفرط،.

قال عن داود في أول ذكرٍ له في القرآن،. ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ((وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ)) وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة 251]،.

قالَ اْللّٰه عن لقمان،. ﴿وَلَقَدْ *((آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَة))..﴾* [لقمان 12]،. وقالَ اْللّٰه عن سليمان بن داود،. ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ((وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ)) وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص 20]،.

فكان الوعظ من لقمان [الحكيم] لسليمان، ليحميه من التعلق بالملك والعز والترف والرفاهية،. ويصرف عنه شر الدنيا،. ليضبط نفسه عن شهواتها،. فدوافع الفتنة لديه كثيرة جداً،. ملكٌ عظيم،. لن يملك أحدٌ كملكه،.

وقد سلّم الله سليمان من الدنيا،. وانقذه منها،. ولهذا سماه سليمان،.

ــــــــــــ معنى اسم سليمان،.. وعلاقته بالــ "حكمة"،.

هنا العجب،. لأن *هذا الاسم لا ينبغي إلا لنبيٍ أوتي من الدنيا مالم يُؤتَ أحدٌ قبله ولا بعده مثله،.* لماذا؟،.

هذا النبي سأل الله ملكاً عظيماً،. ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكࣰا لَّا یَنۢبَغِي لِأَحَدࣲ مِّنۢ بَعۡدِي إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [ص 35]،. هذا المُلك فتنة عظيمة، فتنة شديدة تصرف القلب عن الآخرة،. ولكن الذي جعله يطلب هذا [الله]، هو نفسه سماه من قبل بسليمان،. حتى يصرف عنه فتنة الملك والدنيا في أشد ما تكون على عبدٍ أوتي من كل شيءٍ في الدنيا،.

في اسمه معاني عظيمة تدل على خلاصه من الدنيا،. اسم سُليمان في آخره ألف ونون، هذا للامتلاء، كشبع شبعان، جوع جوعان، نعس نعسان،. أما سُلَيْم فهي تصغيرٌ لاسم سَلِيْم،. كما أن حُميد تصغيرٌ لحَمِيْد،. فأصل الاسم من (سَليم) وهذا الاسم يقال للذي سَلِم من الشر،. وسليمان سَلِم قلبه من فتن الدنيا،. خرج منها سليماً خالصاً مخلصاً، أخلصه الله للآخرة،. قالَ اْللّٰه بعد أن ذكر قصة ملك سليمان،. ﴿إِنَّاۤ أَخۡلَصۡنَاهُم بِخَالِصَةࣲ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ ۝ وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَیۡنَ ٱلۡأَخۡیَارِ﴾ [ص 46 - 47]،.

ــــ لماذا ربطت السلامة بفتن الدنيا حصراً؟!،.

قالَ اْللّٰه على لسان إبراهيم،. ﴿وَلَا تُخۡزِنِي یَوۡمَ یُبۡعَثُونَ ۝ *((یَوۡمَ لَا یَنفَعُ مَالࣱ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبࣲ سَلِیمࣲ))﴾* [الشعراء 87 - 89]،.

فسلامة القلب يوم القيامة، تكون بالتخلص من فتن الدنيا،. ((المال والبنون))،. هذا القول قاله إبراهيم البريء،. وفي إبراهيم ذاته عبرة وعظة في التخلص من البنون،. فهو الذي أمره الله بترك ابنه في واد غير ذي زرع، ثم أمر بذبحه،.. ذلك بعد أن خرج من قومه وحيداً ودعى الله أن يهبه ابناً،. قالَ اْللّٰه عنه شهادةً له،. ﴿إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُ بِقَلۡبࣲ سَلِیمٍ﴾ [الصافات 84]،. ثم ذكر تفصيل هذه السلامة،. ﴿قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ۝ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ۝ قَالُوا۟ ٱبۡنُوا۟ لَهُ بُنۡیَانࣰا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِیمِ ۝ فَأَرَادُوا۟ بِهِ كَیۡدࣰا فَجَعَلۡنَاهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِینَ ۝ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبّي سَیَهۡدِینِ ۝ رَبِّ هَبۡ لي مِنَ ٱلصَّالِحِینَ ۝ فَبَشَّرۡنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِیمࣲ﴾ [الصافات 95 - 101]،. أخرجه قومه فبقي وحيداً ليس له غير ربه،. فذهب إليه ودعاه أن يهبه غلاماً يكون معه،. فلما وهبه أمره بتركه، ثم بذبحه،. هو الذي أمره الله بترك ابنه في واد غير ذي زرع،. قالَ،. ﴿رَّبَّنَاۤ إِنِّي أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّیَّتي بِوَادٍ غَیۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَیۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ...﴾ [إبراهيم 37]،. وفي الحديث *﴿..ﺣﺘﻰ ﻗﺪﻡ ﻣﻜﺔ، ﻓﻮﺿﻌﻬﺎ ﺗﺤﺖ ﺩﻭﺣﺔ، ﺛﻢ ﺭﺟﻊ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ ﺇﻟﻰ ﺃﻫﻠﻪ، ﻓﺎﺗﺒﻌﺘﻪ ﺃﻡ ﺇﺳﻤﺎﻋﻴﻞ، ﺣﺘﻰ ﻟﻤﺎ ﺑﻠﻐﻮا ﻛﺪاء، ﻧﺎﺩﺗﻪ ﻣﻦ ﻭﺭاﺋﻪ: ﻳﺎ ﺇﺑﺮاﻫﻴﻢ، ﺇﻟﻰ ﻣﻦ ﺗﺘﺮﻛﻨﺎ؟ ﻗﺎﻝ: ﺇﻟﻰ اﻟﻠﻪ، ﻗﺎﻟﺖ: ﺭﺿﻴﺖ ﺑﺎﻟﻠﻪ*،..... الحديث﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺃﺣﻤﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ، ﻭاﻟﺒﻴﻬﻘﻲ.

ثم أمره الله بالتخلص من ابنه،. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡي قَالَ یَابُنَي إِنِّي أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّي أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ یَا أَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِینَ ۝ فَلَمَّاۤ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُ لِلۡجَبِینِ ۝ وَنَادَیۡنَاهُ أَن یَا إِبۡرَاهِیمُ ۝ قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤ إِنَّا كَذَلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِینَ ۝ ((إِنَّ هَذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَـٰۤؤُا۟ ٱلۡمُبِینُ))﴾ [الصافات 102 - 107]،.

فنجى إبراهيم من أعظم بلاءٍ قد يصاب به إنسان،. هذا النبي،. قالَ اْللّٰه عنه في بداية هذه القصة،. ﴿وَإِنَّ مِن شِیعَتِهِ لَإِبۡرَاهِیمَ ۝ *((إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُ بِقَلۡبࣲ سَلِیمٍ))﴾* [الصافات 83 - 84]،. قد سلم وبرء من فتنة الدنيا كلها [ولهذا إسمه إبراهيم]،. لم يمتلك مالاً ونعيماً،. وصَدَق الرؤيا بابنه،. فقالَ اْللّٰه عن هذا البلاء،. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَـٰۤؤُا۟ ٱلۡمُبِینُ ۝ وَفَدَیۡنَاهُ بِذِبۡحٍ عَظِیمࣲ ۝ ((وَتَرَكۡنَا عَلَیۡهِ فِي ٱلۡآخِرِینَ ۝ سَلَامٌ عَلَىٰۤ إِبۡرَاهِیمَ))﴾ [الصافات 106 - 109]،.

هذه السلامة التي خرج بها من الدنيا، ولقي بها ربه،. كانت بسبب تخلصه من فتنة وبلاء الدنيا،. [المال والبنون]،. فما ظنك بمن سماه الله سليمان؟!،.

سليمان ملك الدنيا،. فكان أولى الناس من الوقوع في بلاءها، والغرق في فتنها،. لأن الله مَلَّكه ملكاً عظيماً،. فكانت فتنته أعظم وأكبر من كل ملوك الأرض الذين ملكوا أجزاء منها،. سليمان آتاه الله ملكاً، فكان يبنغي معه الفساد والظلم، والاستغلال والغفلة، وصرف القلب عن الذكر والآخرة،. فلا يستطيع الانسان أن ينجوا بمثل هذا الوضع،. إلا أن يتدخل الله نفسه فيعينه على النجاة ليسلم منها،. ولولا أن الله سلّم سليمان من الفتن لوقع فيها،. ولكن الله نجاه منها،. وسليمان كان يعلم أنه مبتلى،. وأن عليه أن يرجع لربه بقلب سليم،. لا بماله ولا بنفسه،. إنما بقلب (سليمٍ) من فتن الدنيا،. فالدنيا بلاء على الفقير، وتشتد بلاءً على الغني،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِ ((لَبَغَوۡا۟ فِي ٱلۡأَرۡضِ)) وَلَكِن یُنَزِّلُ بِقَدَرࣲ مَّا یَشَاۤءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِیرُۢ بَصِیرࣱ﴾ [الشورى 27]،. فكيف بمن كان ملكاً؟ سيشتد عليه البلاء،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَائفَ ٱلۡأَرۡضِ ((وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضࣲ دَرَجَاتࣲ لِّیَبۡلُوَكُمۡ فِي مَاۤ ءَاتَاكُمۡ)) إِنَّ رَبَّكَ سَرِیعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورࣱ رَّحِیمُ﴾ [الأنعام 165]،. وقال،. ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي بِیَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيءࣲ قَدِیرٌ ۝ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَیَوٰةَ ((لِیَبۡلُوَكُمۡ أَیُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰا)) وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡغَفُورُ﴾ [الملك 1 - 2]،. وقال،. ﴿كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤئقَةُ ٱلۡمَوۡتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَامَةِ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَ ((وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا مَتَاعُ ٱلۡغُرُورِ ۝ لَتُبۡلَوُنَّ فِي أَمۡوَالِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ))..﴾ [آل عمران 185 - 186]،.

ــ هل علم سليمان بأن بلاؤه شديد؟!،.

قالَ اْللّٰه عن سليمان،. ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا دَاوودَ وَسُلَیۡمَانَ عِلۡمࣰا وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ((ٱلَّذِي فَضَّلَنَا)) عَلَىٰ كَثِیرࣲ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ۝ وَوَرِثَ سُلَیۡمَانُ دَاوودَ ((وَقَالَ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّیۡرِ وَأُوتِینَا مِن كُلِّ شَيءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِینُ))﴾ [النمل 15 - 16]،. هذا الفضل المبين [زيادة في كل شيء]، بلاءٌ مبين،. [وهو كما كان عند إبراهيم في البنين]،. قالَ اْللّٰه،. ﴿وَنَادَیۡنَاهُ أَن یَا إِبۡرَاهِیمُ ۝ قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤ إِنَّا كَذَلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِینَ ۝ ((إِنَّ هَذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَـٰۤؤُا۟ ٱلۡمُبِینُ))﴾ [الصافات 104 - 106]،.

فالفضل المبين بلاءٌ مبين، وهذا يلزمه خروج بسلامة قلب من هذا البلاء،. وقد عرف سليمان هذا فقال،. ﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلۡمࣱ مِّنَ ٱلۡكِتَابِ أَنَا۠ ءَاتِیكَ بِهِ قَبۡلَ أَن یَرۡتَدَّ إِلَیۡكَ طَرۡفُكَ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُ ((قَالَ هَذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِیَبۡلُوَنِي ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُ)) وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا یَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّي غَنِيٌ كَرِیمࣱ﴾ [النمل 40]،.

عرف سليمان أن هذا الفضل المبين إنما هو بلاء له،. فترك الدنيا وكان أواباً لربه ولم يغتر بالدنيا ولم تصرفه عن ذكر الله،. وشهد الله له فقالَ،. ﴿وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَیۡمَانَ ((نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ۝ إِذۡ عُرِضَ عَلَیۡهِ بِٱلۡعَشِي ٱلصَّافِنَاتُ ٱلۡجِیَادُ ۝ فَقَالَ إِنِّي أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَیۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي)) حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ۝ رُدُّوهَا عَلَیَّ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ۝ ((وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَیۡمَانَ وَأَلۡقَیۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِیِّهِ جَسَدࣰا ثُمَّ أَنَابَ)) ۝ قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكࣰا لَّا یَنۢبَغِي لِأَحَدࣲ مِّنۢ بَعۡدِي إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ۝ فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّیحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِ رُخَاۤءً حَیۡثُ أَصَابَ ۝ وَٱلشَّیَاطِینَ كُلَّ بَنَّاۤءࣲ وَغَوَّاصࣲ ۝ وَءَاخَرِینَ مُقَرَّنِینَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ۝ هَذَا عَطَاۤؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَیۡرِ حِسَابࣲ ۝ *((وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابࣲ¹))﴾* [ص 30 - 40]،.

رغم تعدد الفتن والبلايا، وقوة الملك والمال والإمكانيات،. إلا أن سليمان كان ينيب لربه، يرجع له ليهديه، يطلب منه أن يوزعه على الشكر والعمل الصالح،. قالَ اْللّٰه عن سليمان،. ﴿(وَحُشِرَ لِسُلَیۡمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّیۡرِ فَهُمۡ یُوزَعُونَ ۝ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَتَوۡا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةࣱ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُوا۟ مَسَاكِنَكُمۡ لَا یَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَیۡمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ ۝ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكࣰا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ *(((رَبِّ أَوۡزِعۡنِي أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِي أَنۡعَمۡتَ عَلَیَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَالِحࣰا تَرۡضَاهُ)))* وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِینَ﴾ [النمل 17 ــ 19]،.

سأل الله أن يوزعه، والإيزاع تعني الإلزام والإجبار،.. فهذه ليست فتنة عادية كالفتن التي تحصل لنا،. إنما هو ملك عظيم جداً جداً،. فيلزمه إلزام وإيزاع من الله حتى يخرج منها سليماً، ويأت الله بقلب سليم من التعلق بأمور الدنيا [الملك]،.

¹ كلمة ((حسن مآب)) لم تأت في القرآن كله، إلا في مقابل متاع الدنيا، لتخرج منها سليماً،. أولها كانت في قول الله،. ﴿زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَ ٰ⁠تِ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡبَنِینَ وَٱلۡقَنَاطِیرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَیۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَامِ وَٱلۡحَرۡثِ *((ذَلِكَ مَتَاعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ))﴾* [آل عمران 14]،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿ٱللَّهُ یَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن یَشَاۤءُ وَیَقۡدِرُ *((وَفَرِحُوا۟ بِٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا فِي ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِلَّا مَتَاعࣱ))* ۝ وَیَقُولُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡلَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡهِ ءَایَةࣱ مِّن رَّبِّهِ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ یُضِلُّ مَن یَشَاۤءُ وَیَهۡدِي إِلَیۡهِ مَنۡ أَنَابَ ۝ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَتَطۡمَئنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئنُّ ٱلۡقُلُوبُ ۝ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ *((وَحُسۡنُ مَـَٔابࣲ))﴾* [الرعد 26 - 29]

وعن داوود ((الملك))،. ﴿قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡخُلَطَاۤءِ لَیَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِیلࣱ مَّا هُمۡ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعࣰا وَأَنَابَ ۝ فَغَفَرۡنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ ((وَحُسۡنَ مَـَٔابࣲ))﴾ [ص 24 - 25]،.

وقال بعد كلام عن سليمان، وذكر بعض الأنبياء الذي صبروا على مصائب الدنيا،. ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَادَنَاۤ إِبۡرَاهِیمَ وَإِسۡحَاقَ وَیَعۡقُوبَ أُو۟لِي ٱلۡأَیۡدِي وَٱلۡأَبۡصَارِ ۝ إِنَّاۤ أَخۡلَصۡناهُم ((بِخَالِصَةࣲ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ)) ۝ وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَیۡنَ ٱلۡأَخۡیَارِ ۝ وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَاعِیلَ وَٱلۡیَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِ وَكُلࣱّ مِّنَ ٱلۡأَخۡیَارِ ۝ هَذَا ذِكۡرࣱ ((وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِینَ لَحُسۡنَ مَـَٔابࣲ))﴾ [ص 45 - 49]،.

حتى حين سعى لأن ينجب أولاداً يقاتلون في سبيل الله،. لم يرزق سوى نصف إنسان،. ألقي على كرسيه،. فعرف أنه البلاء،. فرجع مجدداً لربه،. ﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَیۡمَانَ وَأَلۡقَیۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِیِّهِ جَسَدࣰا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص 34]،.

خرج من الدنيا سليم القلب، خالصاً من فتنها،. إنه سليمان،. سليم القلب،. جاء ربه بقلب سليم،. قالَ نَبِيّ اْللّه ﷺ،. ﴿ﺇﻥ اﻟﻠﻪ ﻻ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ((ﺻﻮﺭﻛﻢ ﻭﺃﻣﻮاﻟﻜﻢ ﻭﻟﻜﻦ ﻳﻨﻈﺮ ﺇﻟﻰ ﻗﻠﻮﺑﻜﻢ)) ﻭﺃﻋﻤﺎﻟﻜﻢ﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ ﺃﺣﻤﺪ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﺔ.

سليمان أتى الله بقلب سليم،. نجى من بلاء الدنيا وفتنتها [في أوجها، فقد كان ملكاً]،. اسمه سليمان،.

كل ذلك كان من وعظ أبيه له،. حين أوتي الحكمة، فوعظه، فحكم سليمان نفسه،. ونجاه الله من الدنيا،.

ــــــــــــــــ الخاتمة،.

الحكمة ليس لها علاقة بالتشريع والسنن،. الحكمة ليس لها علاقة بآيات اللّٰه وكتبه،. الحكمة وعظ لضبط النفس عن الشهوات،. حتى زا تتفلت وتطيش، وتتعلق القلوب بالدنيا والمال،.

رَبَنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،.. ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾،.

بكيبورد، محسن الغيثي،.