الثلاثاء، 9 أكتوبر 2018

الزمان،..

*الزمان،....*

الْحَمْد لِلّٰه الذي هدانا لنتدبر في خلق السماوات والأرض، ونعرف كيف أتقن كل شيء خلقه، وأبدع في صنعه،. كل هذا بدأ بعدما علمنا أن أرضه سطحت وأنها ليست كوكباً في فضاء فارغٍ كما كنا نظن،.

هذا العلم دفع بالمؤمنين بالأرض المسطحة للتفكر أعمق في خلق الله،. وتعظيمه كلما رأى واكتشف عظمة خلقه،. ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر 57]

من الأمور التي شدتني للتفكر فيها هو الزمان أو الوقت،. وماهيته، كيف هو؟ وكيف يحدث؟ وكيف خلقه الله وجعله مؤقتاً لحياتنا؟،. فمنه نعرف إيامنا وأشهرنا، ونحسب أعمارنا ونؤرخ تاريخنا،. منه نعرف أوقات عباداتنا من صلاةٍ وصيامٍ وحجٍ وغيرها،. كيف خلق الله الوقت؟!

الوقت ليس مادة ملموسةً، إنما هو تحصيلٌ ونتيجةٌ من عَمَل الشمس والقمر،. يجري بلا توقف، لا يثبُتُ أبداً ولا يتباطئ،. ولا يتراجع، فلا عودة للزمان، ولا عبور للماضي ولا حتى في الأحلام كما ادعى ذلك أحد الأغبياء المشهورين حين ربط الوقت بسرعة الضوء، ثم قال لو سرعنا أسرع من الضوء لشاهدنا القرون التي خلت قبلنا،. ثم جعل الوقت بُعداً رابعاً وسماه الزمكان وصدق الأغبياء ترهات هذا المجنون الجاهل،.

ــــــ سخر اللّٰه لنا الشمس والقمر لأسبابٍ كثيرة ذكرها في كتابه،. أهمها لنعلم عدد السنين والحساب، أي حساب السنوات، وهذا هو الوقت،. فقال عن القمر،. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ((لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)) مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس : 5]

وقال عن الشمس،. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ((لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)) وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [اﻹسراء : 12]

فجعلهما لنا للحساب،. ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا ((وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا)) ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [اﻷنعام : 96]

فلا سبيل لمعرفة حساب اليوم إلا عن طريق الشمس،. اليوم مكوّن من ليل ونهار،. تغرب الشمس وتطلع،. وتغرب وتطلع،. فبه نقول (أمس) وقبل أمس (وغداً) وبعد غدٍ بفعل هذه الشمس، طلوعها وغروبها،. ننتظر صباح اليوم التالي بعد (شروق الشمس)،. ولكن،.....

ماذا لو لم يكن ثمة شمس؟! كيف سنعرف الغد من الأمس؟! وكيف نميز هذا [بعد] وهذا [قبل]؟! تخيّلها،.

في الحقيقة، لن تعرف،. ولن تميّز إلا بالشمس،. وقد علمنا علم اليقين بأن الشمس صغيرةٌ تدور فلكٍ لها فوق الأرض المسطحة،. لا يهمنا الآن كم مقدار علوها فوقنا ولكن كلامنا عن شغل ووظيفة الشمس،.

تخيّل نفسك ذهبت لما وراء الشمس،. لو طرت وارتفعت فوق الشمس،. والشمس هي آية الوقت والزمن،. فما الذي سيحدث؟ لزاماً لن يكون هناك شيءٌ اسمه (وقتٌ) أو (زمن)،. فالزمن يَتحصّل ويُعلم بالشمس (أياماً وفصول) والقمر (أشهراً وسنين)،.

ــــ حين يسخّر الله لك خلقاً من خلقه،. هذا يعني أن هذا الخلق مكلّفٌ بمهمةٍ ووظيفةٍ ما، أو عدة وظائف يقوم بها لأجلك،. ولا يخلق الله خلقاً عبثاً، فالشمس والقمر خُلِقا للحساب والدفئ والنور والضياء، وكلّ خلقٍ خلقه الله له مهام وواجبات،. فالأنعام خلقها لأمور ذكرها في القُــرآن، وكذلك الريح والسحاب، وكذلك الفُلك، وكذلك الجبال وكذلك الماء والكواكب والنجوم والشهب، وكذلك البشر،. كلٌ خُلقَ لحكمةٍ وسبب، سواءً علمنا أو جهلنا ذلك، ولا يخلق الحكيم للعبث واللعب، فإن عرفت وظيفة كل مخلوق ستعرف أين مكانه الذي جعله الله فيه ليخدم ويؤدي دوره، ذاك المكان المناسب له، لو تغير مكانه ستتغير المنظومة، وستعجب وقتها وتقول مباشرةً: ماذا يفعل هنا؟! ولماذا وكيف؟! حين تسمع شخصاً يقول أن هناك شمسان! فكيف ينسجم الوقت؟ وكيف يتجانسان معاً ليؤديا ما خلقا لأجله؟!

خلق الله القمر والهلال مواقيتَ للناس،. قالَ اْللّٰه،. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ..﴾ [البقرة 189]،. والناس على الأرض، فماذا تفعل أقمار المشتري وزحل والزهرة هناك؟ هذا أقرب للعبث، وليس في خلق الله عبث.

الشمس منها الدفئ والضياء، والنهار معيشةً ليبتغي الناس من فضل الله،. والليل سكونٌ للناس،. فماذا تفعل شموس المجموعات الاخرى وليس فيها ناس أصلاً؟! ولماذا يحتاج ذاك الكوكب للّيل والنهار؟! أليس في اختلاف الليل والنهار آياتٍ لأولي الألباب؟! هل أولي الألباب في المريخ والزهرة؟ هم على الأرض فقط حيث لزمها أن يكون فيها تلك الآيات! ولا يلزم المريخ والمشتري ليلٌ ولا نهار،. الليل والنهار فقط للأرض، ولكن القوم أصحاب المجموعة الشمسية،. عندهم لكل كوكب ليلٌ ونهار، بفعل دورانها حول الشمس، حالها حال الأرض،. بل يسمون الدورة الواحد لكل كوكب، فمثلا عطارد يدور في 88 (يوماً أرضياً)! يا للعجب، لماذا يوماً أرضياً؟! اجعلوها أياماً عطاردية!

قال الله،. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر 1]،. ربط الساعة بالقمر،. وكأنه يقول أن هذه آلة الزمن لكم، خلقتها لتعلموا المواقيت، والآن قد انشقت، علامةً على تعطّلها وانتهاء شغلها، أي لا وقت لكم لتعبثوا، الوقت ينفذ، واقتربت ساعتكم،. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾،.

الزمان خلق عظيم من خلق الله،. جعله الله ليحكم أعمارنا ويحددها،. فالأوقات تسري علينا نحن ولا تسري على من خَلَقها،. ولا تحكمه،. بل لا يحكمه خلق من خلقه،. ولا يجري عليه الدهر،. فالله هو الدهر،. فقد ﴿ﻗﺎﻝ اﻟﻠﻪ ﻳﺆﺫﻳﻨﻲ اﺑﻦ ﺁﺩﻡ، ﻳﺴﺐ اﻟﺪﻫﺮ، ((ﻭﺃﻧﺎ اﻟﺪﻫﺮ، ﺃﻗﻠﺐ اﻟﻠﻴﻞ ﻭاﻟﻨﻬﺎﺭ))﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﺤﻤﻴﺪﻱ، ﻭﺃﺣﻤﺪ، ﻭاﻟﺒﺨﺎﺭﻱ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭﺃﺑﻮ ﺩاﻭﺩ.

اللّٰه ربنا،. استوى علىٰ العرش،. وعرشه وسع السماوات والأرض،. بما فيها من شمس وقمر،. فهو فوق كل شيء،. فوق الشمس والقمر،. فلا يجري عليه الوقت والزمن،. ولا يجري عليه الدهر،. فهو الدهر كما قال هذا النّبي ﷺ،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿((يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [النور : 44]،. يقلبهما الله علينا نحن وليس عليه هو، نحن يجري علينا الوقت بفعل الشمس والقمر؛ أما اللّٰه،. فليس عليه شمسٌ ولا قمر،. نحن عندنا أمس وغد وحاضر وماضي ومستقبل؛. أما اللّٰه فليس عنده أمس وغداً!. وليس عليه ليلٌ ولا نهار،.. هو يقلّب الليل والنهار،.. هو الدهر!،.

نحن نرىٰ التاريخ ماضٍ قديم،. وعندنا الحاضر والمستقبَل،. أما اللّٰه فلا يجري عليه تاريخ،. يرىٰ مستقبلنا كما يرىٰ حاضرنا وماضينا الساعة، كله عنده سواء،. يرىٰ أول خلقه الآن،. ويرى يوم القيامة الآن،. ويعلم بل ويرى الآن منزل كل واحدٍ منا في الجنة (إن كتبها لنا)، اللّٰه يرى الآن قوم نوح،. وفرعون ويأجوج ومأجوج، ويرى الحشر والساعة،. ويرى كل المؤمنين في جناتهم والكفار في نارهم،. كله عنده سواء،. لا فرق عنده بين أول الوقت وآخره فهو الأول والآخر،. ولا فرق عنده بين قبلٍ وبعد،. فلا يجري عليه الدهر والزمن،. إنما يجري علينا نحن،. ولن يتوقف الوقت علينا طالما هناك شمس تدور في فلكها،.

الزمن خلقٌ من خلقه،. يحكمنا ولا يحكمه،. هذا أمر يصعُب تخيله عندنا نحن البشر، نحن خلقنا من عَجَل، نستعجل ونحب العاجلة، نستبق ونتسابق، نكره الصبر والانتظار، نعظم الوقت حتى قلنا "الوقت من ذهب"، وقلنا "الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك"، ونحرص ألا يظهر علينا علامات طول العمر، فلأجل هذا الذي جبلنا عليه، يصعب علينا تخيل الحياة بلا وقت،.

ولهذا تجد من تعدى وذهب لمكان ليس فيه شمس ولا قمر،. (باختصار لا وقت ولا عمر)،. فبالتالي سيحيى حياةً أبديةً لا يموت فيها، ولا يهرم ولا يشيب، بل يبقى على شبابه كما هو، وهكذا الناس في الجنة والنار،. هكذا الآخرة ممتلئة بالحياة، فقد قال الله عنها "لهي الحيوان"،. أي الممتلئة بالحياة،.

حين أمر اللّٰه النّبي ﷺ أمراً ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ۝ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ ((أَوَّلَ)) الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر 11 ـ 12]

فاختلط الأمر علينا،. فقلنا؛ هو أول المسلمين أم آدم أولهم؟؟!

عند قوانين الذين تحت الشمس : آدم أول،. لكن عند اللّٰه التاريخ لا يجري عليه ولا تجري عليه قوانين الفيزياء الفلكية،. فالحق هو ما عند اللّٰه،. قال أن النّبي ﷺ أول،. فهو أول،. وقبل آدم كذلك،. ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا ((أَوَّلُ)) الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام 163]

عند اللّٰه،. كلنا سواء،. من آدم إلى آخر شخص في الدنيا،. اللّٰه ربنا، لا تحكمه قوانين الوقت! هو الذي خلق الوقت! فلا يحكمه مخلوق من مخلوقاته.

ألا ترى النّبي ﷺ حين خرج خارج دائرة الشمس والقمر (أي الوقت)،. لم يجر عليه الزمن؟؟ رجع من سدرة المنتهى وفراشه دافئ،. كأنه قام عنه لتوه!! فبمجرد خروجك فوق الشمس،.. تخرج من دائرة الوقت، فلا يسري عليك وقتٌ،.. وليس هناك أمسٌ ولا غدٍ! كله سواء،..

ليس فقط في السماء، بل حتى لو نزلت تحت الأرض،.. (القبر) كذلك ليس عليك وقت،.. فليس في القبر شمسٌ ولا قمر! ولهذا السبب،.. حيث يَبعث اللّـه الناس،.. لا يدرون كم لبثوا في قبورهم وهم أموات!!

﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ۝ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ۝ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ((إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا))﴾ [طه 102 ــ 104]

﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ((وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا))﴾ [اﻹسراء 52]

﴿((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ)) كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم 55]

﴿((وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ)) يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس 45]

﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ((كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ)) بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [اﻷحقاف 35]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۝ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاها ۝ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ۝ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ۝ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا ((لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا))﴾ [النازعات 42 ــ 46]

كذلك مثله النوم،.. فالنوم أخو الموت،.. هكذا نقول حين نستيقظ،.. عن أبي ذر والبراء وحذيفة،. ﴿أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أخذ مضجعَه، قال "اللهمَّ! باسمِك أحيا وباسمك ((أموتُ))" وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما ((أماتنا))، وإليه النشورُ﴾ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهم.

وكلاهما (النائم والميت) لا يسري عليهم الشمس والقمر، (اللذان جعلهما اللّٰه للتوقيت)!،. وهذا ما حصل لأصحاب الكهف! قالَ اْللّـه ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ((قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)) قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف 19]

الذي أشكل عليك أننا جئنا (بعد) آدم،. (وحينها) كان آدم وحده! فمِمّن اصطفاه اللّٰه؟ أليس من المفترض أن يجمعهم كلهم ثم يختار ويصطفي منهم؟! ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران 33]،. فكيف يقول أنه اصطفاه وليس هناك أحد غيره؟! هذه شبهة الملاحدة،.

حتى أبين لك أكثر،. كلنا كنا عند اللّٰه، من آدم إلى آخر شخص سواء،.. فاصطفى اللهُ آدمَ منا.

ــــــــــــ هذه بعض الأحاديث التي تدل على أن يوم القيامة عند اللّه قد حصل وانتهى، والناس دخلوا الجنة والنار ولكن الله جعل كل هذا غيباً علينا فلا نشعر به!

﴿مرَّ رجلٌ بغُصنِ شجرةٍ على ظَهْرِ طريقٍ، فقالَ: واللَّهِ لأُنَحِّينَّ هذا عنِ المسلِمينَ؛ لا يؤذيهم؛ فـ((ـأُدْخِلَ الجنَّةَ))﴾ صحيح مسلم - 1914.

﴿أن رجلًا رأَى كلبًا يأكُلُ الثرَى من العطشِ، فأخَذ الرجلُ خُفَّه، فجعَل يَغرِفُ له به حتى أرواه، فشكَر اللهُ له ((فأدخَله الجنةَ))﴾ صحيح البخاري - 173.

كيف دخل الجنة ولم يأت يوم القيامة بعد؟

﴿عُذِّبَتِ امرأةٌ في هِرَّةٍ سجَنَتْها [في رواية: ربطتها]¹ حتَّى ماتت، فـ((ـدخَلَتْ فيها النَّارَ))، لا هي أطعَمَتْها ولا سَقَتْها إذ حبَسَتْها، ولا هي ترَكَتْها تأكُلُ مِن خَشَاشِ الأرضِ﴾ البخاري - 3482 ــ [3318]¹ / مسلم - 2242.

دَخَلَت أم ستدخُل؟!،. واضح أن الموضوع انتهى!

قالَ نَبِيّ اْللّه ﷺ ﴿((حوسِبَ رجلٌ ممن كان قَبلَكُم)) فلم يوجَدْ له منَ الخيرِ شيءٌ. إلا أنَّه كان يُخالِطُ الناسَ. وكان موسِرًا. فكان يَأمُرُ غِلمانَه أنْ يَتَجاوَزوا عنِ المُعسِرِ. قال: قال اللهُ: نحن أحَقُّ بذلك منه. تَجاوَزوا عنه﴾ صحيح مسلم - 1561.

حوسبَ أم سيُحاسبُ!؟ بل حوسب، في الماضي،.. واضح أنه انتهى.

أما بالنسبة لنا نحن، نحن ننتظر الموت والقبر والآخرة، لكن عند الله هذا كله حَصَل وقد حاسبنا اللّه وذهب كل منا لمكانه.

قالَ نَبِيّ اْللّه ﷺ،. ﴿يخلُصُ المؤمنون من النَّارِ، فيُحبَسون على قنطرةٍ بين الجنَّةِ والنَّارِ، فيقتصُّ لبعضِهم من بعضٍ مظالمَ كانت بينهم في الدُّنيا، حتَّى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخولِ الجنَّةِ، ((فوالَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، لأحدُهم أهدَى بمنزلِه في الجنَّةِ منه بمنزلِه كان في الدُّنيا))﴾ صحيح البخاري - 6535.

هذه ماذا تفهم منها؟ ﴿..فوالَّذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، لأحدُهم أهدَى بمنزلِه في الجنَّةِ منه بمنزلِه كان في الدُّنيا﴾؟ كيف حصل هذا ونحن لم ندخل الجنة من قبل؟

هذا يعني أن المسلم الذي كتب اللّٰه له الجنة،. هو الآن ينتظر الآخرة حتى يدخل الجنة،. لكنه عند اللّه هو الآن في الجنة.. already فإذا دخلها يذهب لمنزله ويخرج ويعرف منزله أحسن من منزله الذي في الدنيا،.. ولكننا لأننا في الدنيا محكومين بالوقت، لا نشعر بهذا،.

فإذا دخلنا الجنة (خرجنا من قوانين الوقت ــ الشمس والقمر ــ) فيكون الواحد منا أهدَى بمنزلِه في الجنَّةِ منه بمنزلِه الذي كان في الدُّنيا،.. لأننا أصلاً عند اللّـه (كنا) فيها ونحن في الدنيا،.. ولكن لا نشعر بها الآن،.. يعني (لو كتب اللّٰه لنا الجنة) نحن عند الله الآنَ فيها!.

الآن ستفهم أموراً كثيرة،. ستفهم كيف رَأَىٰ النّبي ﷺ عمر في الجنة واقعاً وليس حلماً في رحلة المعراج، وستفهم لماذا في الجنة حياةٌ أبدية وكأن ليس فيها توقيت! وستفهم كيف رفع اللّٰه ابن مريم وسينزله وهو شابٌ لم يهرم! وستفهم كيف أن يوما عند الله كألف سنة مما نعدّ نحن،. وستفهم كيف خلق الله السماوات والأرض في ستة أيّام،. وغيرها من الأمور الكثيرة في الملكوت،. فقط ضع في ذهنك أن التوقيت بسبب الشمس، وهو لك وعليك،. وليس علىٰ اللّٰه الذي خلق الوقت،.

رأى النّبي ﷺ في رحلة العروج كثيراً من الأنبياء، ومر على كل السماوات، ورأى الملائكة ووصل حتى سدرة المنتهى ثم أمر بالصلاة فعاد فلقي موسى وقال له ارجع لربك وسله التخفيف في قصة معلومة، يفترض أن يقضي فيها ساعات وساعات إن لم تكن عدة أيام بحسبتنا، ولكن هل عاد النّبي ﷺ بعد أيام؟! هل عاد في الصباح متأخراً؟! بل عاد في نفس الليلة، حتى أن فراشه لم يبرد! بقي دافئا! مما يدل أن وقته بالنسبة له توقف وتعطل، لأن هناك في الأعلى، لا وجود للشمس والقمر.

فاعلموا أن (الوقت) علينا،.. وليس على اللّٰه،. عند اللّٰه القَبلُ والبَعدُ سواء،. واعلموا أنه لا فضاء في خلق الله،. ولو كان ثمة فضاء بيننا وبين الشمس، فالوقت سيجري فيه لزاماً ولن يخرج أحد الرواد خارج الزمن حتى يموت، أو تموت الشمس، وينتهي الوقت،. وتقوم الساعة،.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينْ،. رَبَنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،.. ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾

بكيبورد، محسن الغيثي،..

الجوار،.

الجوار،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ۝ ((الْجَوَارِ)) الْكُنَّسِ﴾ [التكوير 15 ــ 16]،. 

لماذا يظن الناس بأن الجوار الكنس هي النجوم؟! ذلك بسبب التفاسير،. ولكن التفاسير قالت النجوم، وقالت كذلك قولاً آخر عجيبٌ وغريب، قالت الجوار هي البقر الوحش والظباء! بل رجحت البقر أكثر من النجوم (ألف علامة تعجب!!! ما الشبه بين النجوم والبقر؟)،. وكيف البقر تكنس؟ وكيف النجوم تكنس؟ ولماذا كلمات ((الجوار)) الأخريات التي ذكرها الله في القُــرآن لم يقولوا بأنها النجوم أو الأبقار الوحشية؟!،. ففي قوله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ ((الْجَوَارِ)) فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَام﴾ [الشورى 32]،. وفي قوله،. ﴿وَلَهُ ((الْجَوَارِ)) الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن 24]،. فقال المفسرون هي السفن!! ولا تسأل عن دليلهم وبرهانهم،. هم كعادتهم ودأبهم لا يستدلون بشيء سوى قيل وقال وهذا ما يكرهه الله لنا،. قالَ نَبِيّ اْللّٰه ﷺ،. ﴿... إن الله كره لكم ثلاث، قيل وقال....﴾ أخرجه البخاري ومسلم،.

سنبحر في هذا التدبر في أغوار هذه الكلمة القرآنية التي أسيء فهمها وتداولها بين الناس وقبلهم علماء التفسير،. ((وفتحوا الباب ليزعجنا أصحاب الإعجاز العلمي بأنها الثقوب السوداء التي تشفط كل شيء في الفضاء))،. لننظر كيف أنهم أخطؤوا في تفسيرهم، وكل ذلك بالبراهين والبينات من القُــرآن نفسه إِنْ شٰاْءَ اللّٰه،.

قال الله،. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ ((الْجَوَارِ)) فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَام﴾ [الشورى 32].
وقال،. ﴿وَلَهُ ((الْجَوَارِ)) الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن 24].

ما معنى الجوار؟ هل هي الفُلك والسُفن كما يشاع؟! أم هي شيءٌ آخر؟

بالرجوع إلى أشهر التفاسير وأكثرها اتباعاً وتصديقاً،. (الطبري والقرطبي وابن كثير والسعدي وغيرهم) كلهم فسروها أنها السفن قولاً واحداً!،. وكالعادة، لا دليل ولا مستمسك، سوى عزوٍ لفلان وعلان من غير النّبي ﷺ،.. ونقولات لكلامهم من غير تحقيق لسند، ولا فحص لقول ولا متابعة ومطابقة للوحي، ولا مراجعة للقُـرآن،.. عندهم الجوار هي السفن وهكذا،... قضي الأمر الذي فيه تستفتيان! وهكذا درج بقية المسلمون على هذا التفسير،. وسيتبين في هذا التحقيق أنهم جانبوا الصواب فيها،. وعلى خطئهم هذا سار كل من بعدهم إلى يومنا هذا،. لا أقول أنهم عليهم وزر الناس، ولكن سيحاسبون بما قالوا دون بينة ولا برهان،. وهكذا كل من تكلم في القُــرآن برأيه أو فسر كلام الله دون حجة من القُــرآن نفسه،.

وليت المفسرون (كونهم أهل علم) أحضروا الدليل على ما قالوا، فهم أهل الدليل، خاصةً أنهم لو بحثوا قليلا في القُــرآن لوجدوا أدلةً وأدلةً على تفسيرهم هذا بأن الجوار هي السفن،. ولكنهم كعادتهم يتبعون ما وجدوا عليه الناس من قبلهم من غير الأنبياء،. وبمجرد أن فلاناً من التابعين أو من العصر الأول قال كذا أو كذ فينتهى عنده، هذه عندهم كفيلة أن يستغنوا عن الدليل بالكلية!!

فمثلا، لو كنت أنا مثلهم، وأردت أن أدعم وأعزز لقول الأولين بأدلة من القُــرآن،. لقلت صحيح، إن الجوار هي الفُلك (السفن) بدليل الآيات التي ذُكِر فيها نعت (الجريان) منسوبٌ (للفُلك) فبالتالي هي الجوار،. من مثل،. ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ ((مَجْرَاهَا)) وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ۝ ((وَهِيَ تَجْرِي)) بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالْجِبَال...﴾ [هود 41 ــ 42]،. ومثل،. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ ((وَالْفُلْكَ تَجْرِي)) فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ...﴾ [الحج 65]،. ومثل ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ((الْفُلْكَ تَجْرِي)) فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ...﴾ [لقمان 31]،. ومثل ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ۝ ((تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)) جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر 13 ــ 14]

على الأقل بهذا الاستدلال، أكون قد رفعت الملامة عني وعمن قبلي،. (سواء أصبت فيه أو أخطأت) ولكني حاولت جاهداً أن أستدل، ويكون عندي مستمسك من الكتاب،. قد أتيت بــبينة على أن الفلك تجري في البحر،. فهي جوارٍ تجري، أليس كذلك؟،.. بلى،.. ولكن المحقق لا يكتفي بهذا القدر، بل يسأل الله الهدى ويبحر في القُــرآن أكثر، ويقف على الكلمات ويتدبر ويتأمل،. حتى يَطْمئن قلبه أنه وجد فيها البراهين القاطعة، والأدلة الشافية الوافية ويُطَمئن قلبه،. فالقول بأن الجوار هي السفن أو الفلك خطأ،. وتلك الأدلة (التي لم يأت بها أهل التفاسير) لا تكفي،. ذلك لعدة أسباب،.

ــــ أولاً،. الجري في تلك الآيات كلها أفعال للفلك،. وليست أسماء الفلك،. وليس الفلك وحده يجري،. بل الأنهار تجري، والريح تجري، والشمس والقمر يجريان، والليل والنهار يجريان، وغيرها، فلماذا تجمع فقط كلمات الجريان التي كانت في السفن وتترك البقية؟! 

ــــ ثانياً،. الله لم يسمها جوار كإسمٍ للفلك أو للسفن، ولا مرة، بل سماها اسماً آخر،. هو الصحيح إن كنت لابد مُشتقّاً من الفعل اسماً لها،. فقل كما قالَ اْللّٰه،. قالَ اْللّٰه،. ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ ((حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ))﴾ [الحاقة 11]،. هذه هي الفلك أو السفن،. فبالتالي:- الاسم المشتق من فعل ((جريان السفن)) هو (الجارية)، وليس الجوارِ، ولو قلت هذه مفردة، جمعها هو (الجوار)، أقول أخطأت، جمع الجارية هي (الجاريات)،. قالَ اْللّٰه ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ۝ فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا ۝ ((فَالْجَارِيَاتِ)) يُسْرًا ۝ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ۝ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ ۝ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات 1 ــ 6]،. فالسفن جارية، وجمعها جاريات وليس جوار،.

ــــ ثالثاً، الفلك والسفن لا تشبه الأعلام! حتى لو كانت بالأشرعة العالية، كذلك لا تشبه الأعلام، وحتى لو كانت ضخمة كبيرة، السفن تكون عريضة في البحر، ليست كالأعلام، الأعلام تكون شاهقة عالية مرتفعة، والسفن ليست كذلك،. وسنأتي على تفصيلها تفصيلاً عميقاً بإذن الله،.

ــــ رابعاً، قال الله عنها أنها مُنشَآت في البحر، وقال (في قراءة أخرى) مُنشِآت في البحر،. فهي مُنشَأة، ومُنشِئة!، قد نفهم من كلمة (مُنشَأة) أن الإنسان أنشأ الفلك، ولكن الفلك منشِئة! كيف تفهمها؟! تنشئ ماذا؟! هل السفن تنشئ سفناً أخرى أم ماذا؟! ثم حتى إن قلت أن الإنسان أنشأ السفن فهذا خطأ،. لأن فعل الإنشاء في القُــرآن لا تنسب للإنسان،  بل دائما تُنسبُ إلى الله،. وليس للإنسان يدٌ فيها،. مثال،.

﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ..﴾
﴿..كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾
﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ..﴾
﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ﴾
﴿..فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ..﴾
﴿..فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ..﴾
﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ..﴾
﴿...فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ..﴾
﴿قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ..﴾
﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ..﴾
﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ..﴾
﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾
﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ﴾
﴿قُلْ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُمْ..﴾

كلها منسوبة للّٰه،. الله هو الذي ينشئ،. فهل أنشأ الفلك؟ لا. هل ذكر في القُــرآن أنه ينشيء الفلك؟ لا. بل الفلك من صنع البشر،. وليست من إنشاء الله،. ولو قلت أن كل شيء للّٰه، نعم ولكن لا ننسب نشأةً للّٰه هو لم ينسبها لنفسه،. ثم الأمر الآخر والمهم، حين يكون الكلام عن الفلك والسفن، فلا يُستخدم معهن كلمة (إنشاء)، بل كلمة (صنع)،. قالَ اْللّٰه ﴿((وَاصْنَعِ الْفُلْكَ)) بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا..﴾ [هود 37]،. وقال ﴿((وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ)) وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ...﴾ [هود 38]،. وقال ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ ((اصْنَعِ الْفُلْكَ)) بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا...﴾ [المؤمنون 27]،. فالصحيح أن يقال صنع الفلك، وليس أنشأ الفلك،. السفن تصنع صناعةً، أما الجوار فمُنشأة إنشاءً،.

ــــ خامساً،. هذه الكلمة (الجوار) وردت في القُــرآن في ثلاثة مواضع، بنفس التشكيل تماماً،. اثنتان منها قيل بأنها السفن، والأخيرة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ۝ ((الْجَوَارِ)) الْكُنَّسِ﴾ [التكوير 15 ــ 16] قيل بأنها النجوم والكواكب، لماذا لم تقولوا هي السفن كذلك؟،. وآخرون قالوا بأنها البقر الوحشي والظباء! كيف؟ ولماذا؟ يا أهل التفسير! لا ينبغي أن يقال كلها معنىً واحدٍ إلا هذه!!، لماذا جعلتم الأخيرة تختلف عنهن؟! بل هي كلها سواء،. وتحمل ذات المعنى،. وكذلك كل كلمات القُــرآن، إن تكررت كلمة بنفس الحروف والتشكيل،. فهي نفسها، وليست معنىً آخر مختلف،. ولكن لو اختلف التشكيل فيحق لك فهمها على معنىً آخر كالــ (الجَنّة، والجِنّة، والجُنّة)،. ولكن هذه جائت بنفس التشكيل، فما الصارف عنها لمعنىً آخر؟!

مثال على كلمات القُــرآن المكررة رغم اختلاف السياق،. ذكر الله كلمات تكررت في القُــرآن، هل تغير معناها باختلاف مواقعها؟! لا،. فكلمة الطور في القسم ﴿والطور﴾ هو نفسه الطور الذي ذكر في سورة التين ﴿وطور سينين﴾ رغم اختلاف السياق،. والنهر في القُــرآن كله على معنى واحد رغم اختلاف السياق، كذلك النجوم والكواكب، وموسى مع (الخضر)، هو نفسه موسى (بني إسرائيل) وليسا رجلين مختلفين رغم اختلاف السياق تماماً فلا وجود لبني إسرائيل في سورة الكهف، ولا وجود ذكر للخضر خارج الكهف ولا بالإشارة حتى،. النهار، الليل، الشمس، القمر، كلها تحمل ذات المعنى في القُــرآن،. بعض الكلمات قد تنحصر في جزء من معناها وقد تشمل كل معناها،. مثل كلمة الأرض في ﴿وإلى الأرض كيف سطحت﴾ هذه كل الأرض، ولكن نفس الكلمة في سورة يوسف ﴿لن أبرح الأرض﴾ تعني جزء منها،. ولكن لا تخرج عن معنى الكلمة الشامل، ففي كليهما الأرض هي الأرض التي تحتك ولم يختلف معناها لمعنى مغاير متباين كالاختلاف بين (السفن والنجوم والظباء والبقر الوحش)! ما العلاقة بين السفينة والكواكب والبقر؟!!! واحدة للبر، وواحدة للبحر، وواحدة للسماء؟،. عجيب،.

ــــ سادساً،. بعيداً عن جريان النجوم،. هل الكنس والخنس من صفات النجوم والكواكب؟! لا،. لو جمعت آيات القُــرآن ستجد أن الله يذكر عن النجوم والكواكب ثلاثة أمور فقط،. 1ــ زينة للسماء الدنيا،. [بروج، مصابيح] 2ــ رجم للشياطين،. [الطارق، نجم ثاقب، شهاب ثاقب، شهاب راصد، شهاب مبين] 3ــ حفظاً للسقف وحرساً،. [من الشيطان المارد، من الشيطان الرجيم، من الجن الذين يسترقون السمع]،. لأي من هذه النعوت هي الجوار أو الخنس أو الكنس؟! لا شيء. حتى فعل الجريان لم تنسب بتاتاً للنجوم والكواكب بل نسبت للّيل والنهار والشمس والقمر،. فمن أين لهم أن النجوم والكواكب تجري أصلاً؟! هذه ذكرت في سورة التكوير وسنأتي على تفصيلها بإذن اللّٰه،...

ــــ سابعاً،. لماذا قيل بأن (الخنس الجوار الكنس) هي البقر الوحش والظباء؟! قيل لأنها تكنس إلى الظل! وتختبئ من السباع،. وتخرج للطعام ثم ترجع، وهذا الخنس!! لابد أنكم تمزحون!! هذه الصفات في معظم البهائم كالغزال والأرنب والضب والزرافة ووحيد القرن والكنغر،. فلم اخترتم البقر الوحش والظباء تحديداً؟! والله لو كان لديكم دليلا من الله لسكتنا وآمنوا به مباشرةً دون نقاش،. ولكن تقولون هذه تعني كذا ثم تتهمون غيركم أنه يتكلم بالرأي في القُــرآن؟! لو قلت بأنها تعني الأسود والنمور ولم آت بالبرهان،. فقط هكذا (كيفي) فهل ستقبلون أم ستتهموني أني أتكلم في القُــرآن برأيي؟! هذا ما أنتم عليه،. وكلامكم هذا خطأ، الجوار ليست السفن ولا الفلك ولا البقر ولا الظباء ولا الأسود ولا النمور،. فما هي؟!

ــ بهذا أرجو أني قد أفرغت آنيتكم من القول بأن الجوار هي السفن والبقر، ليكون عندكم الآن في الإناء متسعٌ نصب فيه من البراهين على معنى الجوار،.

.
.
.
.
.

ــــــــــ فما هي الجوار إذاً؟!

نستعين باللّٰه ليهدينا ويدلنا عليها،. هنا نبدأ بتدبر القُــرآن،. والوقوف المطوّل على كل كلمة ولو أخذت من أعمارنا ما أخذت، فلا شيء أجود ولا أحسن من صرف وقتك وعمرك في القُــرآن وتدبر كلمات الله،.

لنعلم معنى الجوار، علينا أن نعلم أولاً معنى الأعلام،. لأن الله شبه الجوار بالأعلام،. فما معنى الأعلام؟! العَلَم هو الجبل الشاهق، الجبل العالِ، الجبل المرتفع،. وسمي علماً لأنه عالٍ مرتفع فيُرى من بعيدٍ ((فيُعلم))،. وهو كالــ ((علامة)) الثابتة الدالة على الطريق،. وكذلك يقال لكل شاهقٍ علم لذات السبب،. فتجد شعارات الدول التي ترفع تسمى أعلام، والرموز القيمة والشخصيات المؤثرة والقدوات العالية يسمونهم كذلك ((أعلام)) لذات السبب،. ويقال للمشهور جداً الذي ذاع صيته في الأفق: (أشهر من نارٍ على عَلَم)،. لأنه لو اجتمع الجبل الشاهق الواضح مع النار المضيئة فسوف تُرى ((وتُعلم)) من مسافاتٍ بعيدة،. ومنه اشتق لفظ (العِلْم) الذي (يرفع) صاحبه العالم،. فالعِلم مقترن بالرفعة والدرجات العالية،. قالَ اْللّٰه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا ((يَرْفَعِ)) اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ((وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة 11]،.

فالأعلام هي الجبال الشاهقة العالية،. وليست السفن كالأعلام، فهي ليست شاهقة، ولكنها جند عظيم من جنود الله، ألا وهي *(((الأمواج العالية العاتية)))* في البحر (مثل تسونامي)، تكون شاهقة عالية،. يُشبّهُها الله بالجبال،. (الأعلام)،. ولاحظ كيف يشبه الله الأمواج بالجبال هنا صراحةً،. ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي ((مَوْجٍ كَالْجِبَالِ)) وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود 42]،.

فشبه الله الأمواج العاتية بالجبال وشبه الجواري بالأعلام (الجبال الشاهقة)،. فالجواري هي الأمواج،.

وليست هذه وحدها،. بل كذلك ذكر الله الموج أنه كالظلل،. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝ وَإِذَا غَشِيَهُمْ ((مَوْجٌ كَالظُّلَلِ)) دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان 31 ــ 32]

قالَ اْللّٰه ﴿موج كالظُّلل﴾؟! ما هي الظلل؟! ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ((الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ)) وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [اﻷعراف 171]،. الجبل العال الشاهق يُحدِث ظلاً واسعاً،. وكذلك الموج،... شبه الله الموج بالظلل التي تُحدثها الجبال،. ذلك لأن الأمواج العاتية كالجبال تماماً،.

اقرأ أين ذكر اْللّٰه الجوار،. ولاحظ أن سياق الآيات كلها عن الماء،. وما يحدث في البحر، وليس عن السماء والنجوم،. ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ۝ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى 32 ــ 34]

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ۝ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ۝ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ۝ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝ وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ۝ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۝ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن 18 ــ 27]،. تُقرأ الجوارِ بالكسر، وتقرأ الجواري بالياء الممدودة، وهي قراءة صحيحة.

وفي سورة التكوير،. التي تتحدث عن يوم الحشر،. تأمل حال الأرض والبحر وكيف أن كل شيء يلزم الناس ويدفعهم للحشر،. ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ۝ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ۝ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ۝ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ۝ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ۝ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير 1 ــ 6]،. من أول السورة يتكلم الله عن التكوير(¹) الذي معناه الإخفاء،. ثم انكدار النجوم وهو الطمس والإخفاء كذلك بعد بيانها وظهورها للناس،. ثم كيف تحشر الوحوش العنيدة القوية غصباً عنها من هول ما تراه من تسجر البحر،. فكيف صار شكلها؟! قالَ اْللّٰه بعدها بآيات،. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ۝ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ۝ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير 14 ــ 16]،. الخنس في اللسان كذلك الإختفاء والضمور والاضمحلال، وخنس أي توارى وغاب،. ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ ((الْخَنَّاسِ)) ۝ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس 4 ــ 5]،. الذي يوسوس في صدرك خلسة وهمساً، يدفعك للشر وأنت لا تراه لأنه خناس،. والأخنس الذي تفلطح أنفه، وسميت الخنساء بهذا لقصر انفها،. وفي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النّبي ﷺ قال ﴿اﻟﺸﻬﺮ ﻫﻜﺬا ﻭﻫﻜﺬا، ((ﻭﺧﻨﺲ اﻹﺑﻬﺎﻡ)) ﻓﻲ اﻟﺜﺎﻟﺜﺔ﴾،. أي قبضه وأخفاه، وفي البخاري من حديث أبي هريرة قال ﴿ﺃﻥ اﻟﻨﺒﻲ ﷺ ﻟﻘﻴﻪ ﻓﻲ ﺑﻌﺾ ﻃﺮﻳﻖ اﻟﻤﺪﻳﻨﺔ ﻭﻫﻮ ﺟُﻨُﺐٌ، قال ((فانخنست)) ﻣﻨﻪ، ﻓﺬﻫﺐ واﻏﺘﺴﻞ ﺛﻢ ﺟﺎء...﴾ فانخنس أي توارى عنه وأخفى نفسه،. وهكذا الأمواج، تكون خانسة في أصل البحر، وما أن تهب الرياح ويُسجر البحر بأمر الله تخرج من الماء وتَحشر الوحوش، وشبه الله هذا الحشر الذي تفعله الأمواج بأنه كنس، كما تكنس الوسخ وتحشره في مكان،.

جائت هذه الكلمة في سورة التكوير،. فما معنى كَوّرَ؟ وهل يتوافق المعنى مع ما ذكرناه عن الخنس؟!

التكوير بالعربية هو تداخل الشيء في الشيء بغرض الاخفاء، الإخفاء بالتدرج، أو إيلاج الشيء في الشيء، أو تغطيته.

قالَ اْللّٰه،. ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير 1]، هذه الآية على يوم القيامة، ولكن كيف تتكور الشمس يومها؟! هذا التكوير للشمس يحدث حين تُجمع الشمس مع القمر فتختفي وكأنها تخسف، قالَ اْللّٰه في سورة القيامة ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ۝ ((وَخَسَفَ الْقَمَرُ ۝ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ))﴾ [القيامة 7 ــ 9]،. فتداخل الشيء في الشيء تكوير، وهكذا الليل والنهار يتداخلان،.. ولتفهم معنى التكوير فهما صحيحاً، انظر في القرآن ماذا قال الله عن الليل والنهار من غير آية يكور الليل على النهار،. قال عنهما ﴿..((يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ)) يَطْلُبُهُ حَثِيثًا..﴾ [اﻷعراف 54]،. ويغشي تعني يخفي ويستر ويغطي،. وقال ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ((نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ))..﴾ [يس 37]،.  والسلخ يُظهر ما كان موارىً ومستور،. وقال ﴿((يُولِجُ)) اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ((وَيُولِجُ)) النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ..﴾ [الحديد 6]،. الولوج الإدخال بالتدرج حتى يختفي،... كلمات ثلاثة، ((يغشي، يسلخ، يولج))،. كلها تدعم بعضها في المعنى والفعل،. بمعنى تخفي احداها الاخرى، وتغطيها وتسترها،. لتدلك مباشرة على معنى ((يكوّر)) وهكذا يفسر القُــرآن، بالقرآن نفسه،. والذي يدعم هذا القول أكثر هو سياق آية التكوير،. فبعد تكوير الشمس تكلم الله عن كدرة النجوم،. ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ۝ وَإِذَا النُّجُومُ ((انْكَدَرَتْ))﴾ [التكوير 1 ــ 2]،. انكدرت واختفت واضمحلت بعد أن كانت ظاهرةً للناس مبينة!

فالتكوير تغطية الشيء بالشيء، إضمحلاله، توريته، إخفاؤه، وكان العرب يقولون كور عمامته، فهو يغطي بعضها ببعض،.

كان النّبي ﷺ يستعيذ في السفر من الحور بعد الكور،. فعن ﻋﺒﺪ اﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﺳﺮﺟﺲ، ﻗﺎﻝ ﴿ﻛﺎﻥ ﺭﺳﻮﻝ اﻟﻠﻪ ﷺ ﺇﺫا ﺳﺎﻓﺮ، ﻗﺎﻝ: اﻟﻠﻬﻢ ﺃﻧﺖ اﻟﺼﺎﺣﺐ ﻓﻲ اﻟﺴﻔﺮ، ﻭاﻟﺨﻠﻴﻔﺔ ﻓﻲ اﻷﻫﻞ، اﻟﻠﻬﻢ اﺻﺤﺒﻨﺎ ﻓﻲ ﺳﻔﺮﻧﺎ، ﻭاﺧﻠﻔﻨﺎ ﻓﻲ ﺃﻫﻠﻨﺎ، اﻟﻠﻬﻢ ﺇﻧﻲ ﺃﻋﻮﺫ ﺑﻚ ﻣﻦ ﻭﻋﺜﺎء اﻟﺴﻔﺮ، ﻭﻛﺂﺑﺔ اﻟﻤﻨﻘﻠﺐ، ((ﻭﻣﻦ اﻟﺤﻮﺭ ﺑﻌﺪ اﻟﻜﻮﺭ))، ﻭﺩﻋﻮﺓ اﻟﻤﻈﻠﻮﻡ، ﻭﺳﻮء اﻟﻤﻨﻈﺮ ﻓﻲ اﻷﻫﻞ ﻭاﻟﻤﺎﻝ﴾ ﺃﺧﺮﺟﻪ اﻟﻄﻴﺎﻟﺴﻲ، ﻭاﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﺷﻴﺒﺔ، ﻭﺃﺣﻤﺪ، ﻭﻋﺒﺪ ﺑﻦ ﺣﻤﻴﺪ، ﻭاﻟﺪاﺭﻣﻲ، ﻭﻣﺴﻠﻢ، ﻭاﺑﻦ ﻣﺎﺟﺔ، ﻭاﻟﺘﺮﻣﺬﻱ، ﻭاﻟﻨﺴﺎﺋﻲ، ﻭاﺑﻦ ﺧﺰﻳﻤﺔ، ﻭاﻟﺒﻴﻬﻘﻲ.

قالوا قديماً "بالضد تُعرف الأشياء" أو "بضدها تُعرف الأشياء" فلا تعرف الصحة إلا بالمرض ولا البصر إلا بالعمى ولا الشبع إلا بالجوع ولا الفراغ إلا بالشغل ولا النور إلا بالظلام،. من الحديث السابق، يتبين أن الكور عكس الحور، فما معنى حور؟! فلو عرفنا معنى الحور سنتبين من معنى الكور لزاماً،.

الحور في العربية هو الواضح،. البين،. الجلي،. المنكشف، ليس فيه نفاق، أبيض تمام البياض،. أو أسود تمام السواد،. ليس رمادي بين وبين،. ومنها (الحور العين)! التي ترى مخ ساقها من الحسن، قال اللّـه عنهن ﴿((عُرُبًا)) أَتْرَابًا﴾ [الواقعة : 37]،. عرب أي: واضحات، متكشفات لأزواجهن،. والإعراب الإظهار والتوضيح، والأعراب البدو البادين المنكشفين، والقُــرآن عربي أي مبين وجلي،. ومنها كذلك ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ ((يَحُورَ))﴾ [الانشقاق : 14] أي يظن أنه لن ينكشف ويظهر! والحِوار حين يظهر كل متحاور ما يبطنه،. والحُر عكس العبد، العبد مقيد محكوم في ضيق من أمره ولا يتكلم إلا بإذن سيده، بعكس الحُر يخرج ويظهر ويبوح وليس بمقيد ولا ممنوع، وفي الجو الحار تكشف عن جسمك لتتهوى، بعكس البرد تتغطى وتتستر، النار أشهر مصادر الحرارة، النار علامة ظاهرة تكشف مكانك وتظهره للبعيد، عكسها الجنة المخفية المحفوفة بالشجر، والجِن مخفي، كذلك الجنين، والمجن يخفيك ويسترك، بالحرارة تتباين أجزاء الطعام وتنطبخ، تخرج الدم والروائح، وتفتت وتفكك اليابس،. عكس البرد الذي يحافظ على هيئة الطعام،. الحور تباين وإظهار وشدة وضوح،. وانظر لشدة وضوح الحواريين وصراحتهم،. ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ((هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)) أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ قَالُوا ((نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا)) ((وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا)) ((وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا)) وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة :112 ـ 113]

فتبين الآن معنى الحور، فبالتالي الكور يقابله في المعنى، فيكون هو الخفي المستور المغطى،. وهذا يوافق بقية الكلمات التي ذكرت عن الليل والنهار،. ويتوافق توافقاً عجيباً مع الخنس الذي تحدثنا عن من قبل وأن معناه الخفاء والمواراة،. وهذه نعت الأمواج، فهي لا ترى وهي في البحر، وتظهر فجأة بإذن اللّٰه وإذا ظهرت تحشر الناس حشراً وتحشر الدواب والبهائم جميعها، تحشر الوحوش، تكنسهم كنساً كما تكنس المكنسة الوسخ والهوام،..

وسميت الأمواج العاتية بالجوار لأن الرياح تجرها، وهي تجر الناس والوحوش،. وتجر معها كل شيء،. فالجوار من الجرّ وليس من الجريان،. وكما شاهدنا في أمواج تسونامي وكيف كانت تكنس الناس والسيارات والبيوت وكل شيء في طريقها، تجرها جراً،. وهذا المعنى متوافق مع الكنس الذي يجر معه الوسخ،.. ولا علاقة للنجوم بالجوار، فالنجوم لا تكنس، ولا الكواكب ولا الثقوب السوداء الوهمية، ولا البقر يا أصحاب التفسير،. كلها ليس لها علاقة بالكنس،.

الأمواج العاتية (تسونامي) جند من جند الله عظيم،. تكنس، تخنس، عالية كالجبال الأعلام،.

﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس 22]

ــــ شبهة سياق الآية أنها تدل على السفن!

ــــ يسكن الريح فيظللن رواكد،.

قالَ اْللّٰه،. ﴿إِنْ يَشَأْ ((يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ)) عَلَىٰ ظَهْرِهِ..﴾،. واضح أن الجوار متعلقة بالريح علاقة طردية مباشرة، فبلا ريح لا جوار،،. ولكن السفن اليوم لا تحتاج للريح، فهي تندفع بالمحركات وبالوقود،. ولو كانت الريح ساكنة،. فبالتالي الجوار ليست السفن،. ولا ننسى أن السفن قديماً في حال سكون الرياح كانت تستخدم المجاديف، فليست كل السفن بحاجة للرياح،. وفي السفن الشراعية التي يظنون أن أشرعتها المثلثة تشبه الأعلام!! في حال تغير اتجاه الرياح، فسوف تتوقف السفن تماماً لصعوبة الإبحار،. حتى قال المتنبي قوله فصار مثلاً شهيراً عند العرب (ما كل ما يتمناه المرء يدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن)،. فالجوار ليست السفن، بل الموج الذي يحتاج للرياح ليظهره ويدفعه،.

ــــ رواكد،.

السفينة إذا توقفت لا يقال عنها ركدت!! بل يقال عنها رست، هذه لا تحتاج لدراسة ولا شيخ يلقنك، بينما الموج الذي في الماء، لو توقف وسكن يقال عن الماء أنه ماء راكد وفي الحديث (نهى نَبِيّ اْللّٰه ﷺ عن البول في الماء الراكد) لذا قالَ اْللّٰه ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ ((فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ))..﴾ فالجوار الأمواج وليست السفن،.

ــــ يوبقهن،.

كلمة وبق ذكرت في القُــرآن مرتين، هذه الأولى (يوبقهن) والأخرى في الكهف تفسر هذه الكلمة،. ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ ((وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا))﴾ [الكهف 52]،. بمعنى حائلا حاجزاً مانعاً،.

فــ ﴿يوبقهن﴾ تعود على الأمواج المتلاطمة الشديدة، أن الله يحول بينها ويمنعها فيسكنها،.. فــ ﴿مَوْبِقَاً﴾،. أي حائلاً،. و ﴿يُوْبِقهُنّ﴾ يحول بينهن، فهي من الحيلولة، وهي متعلقة بالموج، وهنا دليل أن الحيلولة تذكر في الموج،. ﴿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ((وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ)) فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود 43]

ــــ تتمة الآية (بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ)،.

هذه قد ذكرها الله قبلها في نفس السورة، ففسرتها،. قال،. ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ ((فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)) ۝ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ۝ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ۝ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝ أَوْ يُوبِقْهُنَّ ((بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ))﴾ [الشورى 30 ــ 34]

فالخطاب هكذا،. ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ (المسببة للموج) فَيَظْلَلْنَ (الأمواج) رَوَاكِدَ (كلمة راكد للماء دوما وليست للسفن) عَلَىٰ ظَهْرِهِ (ظهر الماء)، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (من الناس) ۝ أَوْ يُوبِقْهُنَّ (يجعل الأمواج تهلكهم) بِمَا كَسَبُوا (الناس) وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾،.

ــــ أما من استدل بخاتمة ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهْرِهِ ((إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ))﴾ فقال أنها الفلك لأنها تشبه خاتمة هذه الآية من لقمان، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ ((إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ))﴾

فليكمل الآية الأخرى، لو أكملها لبطل دليله، ولعُرف أنها تحتمل السفن، وتحتمل الموج، بل الموج أقرب لها،.

قالَ اْللّٰه ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ ((إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ۝ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ)) دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان 31 - 32]

ــــ القسم بالخنس الجوار الكنس،.

يقسم الله في القُــرآن بما عظم من مخلوقاته، ولم يقسم مرةً واحدة على شيء من صنع البشر،. فكيف يقسم بالسفن؟! ﴿فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس﴾،. ثم إن الله نسبها له ملكيةً فقال ﴿وله الجوار..﴾ ولم ينسب شيئاً من صنع البشر لنفسه قط،.

ــــ لا يوجد جند من جنود الله من صنع البشر!،.

ليس من العجب أن يقسم الله بخلق عظيم وجند كبير من جنوده، خاصةً أنه استخدم هذا الجندي كثيراً في إهلاك الأمم كقوم نوح، وكقوم فرعون، ولكن المستهجن واللا معنى أن يقسم الله بشيء من صنع البشر مهما بلغ عظمته! فهل اقسم الله بالقصور العالية؟ هل اقسم بالسفن في مواضع أخرى؟ هل أقسم بشيء من صنع البشر؟ أبداً، ولكنه يقسم دائما بعظيم مخلوقاته هو، كيوم القيامة، كالعصر، كالطور، كالفجر، كالتين والزيتون، كمواقع النجوم، كالجوار التي هي الأمواج المهلكة المخيفة، أما السفن والبقر فلا تخوف أحداً!

ــــ النسبة والملكية،.

هل نسب الله شيئاً من صنع البشر لنفسه؟! لا، فماذا الآن ينسب لنفسه سفن من صنع البشر؟! ﴿وله الجوار المنشئات..﴾ ثم هذه في سورة الرّحمنْ، هل وجدت في سورة الرّحمنْ شيئاً من صنع البشر؟ لا، كل السورة مخيفة مرعبة تهديد، ووعيد، وغضب، وكبرياء وعظمة، ثم يدخل فيها سفن؟! ولكن يدخل فيها الموج المتلاطم المفزع، صحيح، مستقيم ومتناسق مع السورة.

ــــ الجوار هو الجوار،.

كيف السفن تخنس وكيف تكنس؟ وكيف البقر في البحر وكيف يركد الظباء في البحر؟!! (لا تقل الجوار في البحر غير الجوار الكنس، بل هي نفسها، نفس الحروف، نفس التشكيل) ولكن لو كانت الأمواج، فهي فعلاً تخنس، أي تنقبض وتتوارى وتركد،. وتكنس الناس والبيوت وتحشرهم كما حصل بتسونامي،.  هذه متوافق مع سورتها التي فيها (وإذا الوحوش حشرت) الحشر يتوافق مع الكنس، كذلك (إذا الشمس كورت) التكوير مواراة وتداخل وكسف وخسف، متوافق مع الخنس، كذلك (وإذا النجوم انكدرت) الانكدار الاختفاء، متوافق مع الخنس،. ولكن ما دخل السفن بهذه المشاهد العظيمة؟! وكيف تكنس السفينة؟ وماذا تكنس؟ أين تخنس؟ خلف الإنحناء؟!

ــــ ما الفرق بين الجوار والأمواج؟ وما الفرق بين الجبال والأعلام؟

أكيد يوجد فرق بين الموج والجوار، وبين الأعلام والجبال، طالما هما كلمتان، فلا ترادف في القُــرآن،.

ولكن علينا التدبر أكثر لايجاد الفرق، وقد يكونان على أمر واحد، ولكنها تسمى بكلمة كذا إذا كانت في حالة كذا،. مثال الفلك والسفن، الفرق بينهما أن الفلك تبحر، فإذا وقفت فهي سفينة، الجب والبئر، الفرق بينهما أن البئر يكون فيه ماء، ولكن لو زال الماء فيسمى جب، ويوسف ألقوه في الجب وليس في البئر، فالقُــرآن دقيق جداً في كلماته،. ولا يوجد ترادف أي كلمتين بمعنى واحد بالتمام، لابد ثمة فرق،. الآن على الجوار والأمواج،. ليس كل موج جوار، فأمواج الشاطئ ليست كالأعلام، ولكنها لو كانت كبيرة فهي كالأعلام،. وكذلك ليست كل الجبال أعلام، فمنها الصغير، فلا يسمى بعلم،. وهكذا،.

رَبَنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا،.. ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾،.

بكيبورد، محسن الغيثي،.

الخميس، 20 سبتمبر 2018

النقاب

النقاب والحجاب،.

بقلم محمود خليل الصعيدي،.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

كثر الجدل في السنوات القليلة الماضية حول مشروعية النقاب، أو الخمار، أو الحجاب، وصدر في ذلك العديد من النظريات، والكُتيبات، ما بين مؤيد للنقاب ومعارض للخمار، وآخر مؤيد للنقاب والخمار معًا، وثالث معارضٌ للنقاب مؤيد للخمار.

ودارت رَحى الجدل ومازالت، تطحن كلاما من هنا وهناك، وكل فريق يقوم بحشد عشرات الأحاديث، لا فرق بين صحيح عندهم وضعيف ، وعشرات الأقوال لهذا وذاك، وكل قول لا سند له ولا مصدر يعتمد عليه.

فيكفي عند هؤلاء أن يقرأ في كتابٍ مثل "تفسير ابن كثير" مثلا ، أو القرطبي أو " فقه السنة" أو أي شيء ، فيقرأ فيه : قال ابن عباس، مثلا، أو قال ابن مسعود، فيظن هذا القارئ أن ابن عباس، أو ابن مسعود، أو صاحب القول المنسوب إليه، قد قال هذا الكلام بالفعل، وحتى مالم يذكر ابن كثير أي إسناد لهذا القول، وذلك نظرا للحالة التي تردى لها الوضع العلمي عند المتدينين والذين لم يكسبوا من الإسلام إِلاَّ اللحية وأحيانا السواك.

وكما هو الحال في المسائل التي اختلفت فيها الفرق والجماعات التي تزعم أنها مسلمة، خرجت الأحكام والفتاوى والتشريعات ، ورمى كلَ فريق الفريق الآخر بكل ما وصلت إليه يداه من أحكام تبدأ من البدعة، مرورًا بالفسق والفجور والعصيان، انتهاءًا بالكفر والمروق من الإسلام مروق السهم من الرميّة!

وتحول الأمر في الحجاب والنقاب إلى صرعات واختراعات، وسارع الكثير من أفراد الجماعات بأمر نسائهم بارتداء النقاب، دون أن يعرف أحدهم لماذا، بل حتى لمجرد أن يرى في الشارع هذا النقاب بدأ ينتشر، أو الحجاب، أو الخمار.
والنقاب عند هؤلاء تحول هو الآخر إلى مذاهب وفرق وأحزاب، وكل حزب يرى أنه الوحيد الذي وصل إلى قمة الحق، وغيره لا يزال يتدحرج علىَ مدارج السفح.

فنقابٌ تظهر منه العين اليسرى فقط، وآخر - على مذهب اَخر - تظهر منه اليمنى، وثالث تظهر منه العينان، ورابع يًخفي العينين وجميع الوجه، وخامس قطعة واحدة، وسادس قطعتان، وكل فريق يعتقد أن نقابه هو النقاب الشرعي، وأن من خالفه تنطبق عليه أحكام أهل الكتاب.

والذي أدى بهؤلاء إلى هذا المستوى من الشَغْب هو كثرة المصادر التي يأخذون منها دينهم ، واختلاف مصادر التشريع عند كل فريق ، رغم زعم الجميع بأنهم يأخذون من القرآن والحديث والواقع العملي لهم يُكذِّبُ هذا الزعم فهم الذين يقولون ذلك ، وعند النقاش والحوار ورد الأمر ، تراهم يحتجون بأقوال للصحابي الكريم فلان والصحابة جميعا ودون استثناء هم خير هذه الأمة ، ولكن لا حجة في أحد دون رسول الله ﷺ . في نفس الوقت الذي لا يعرف هؤلاء سندا صحيحا لقول هذا الصحابي رضي الله عنه ، ثم ينزلون بك للإحتجاج بابن كثير وأقواله، وابن تيمية، وابن باز، وابن القيم، وابن عثيمين، وابن كشك . . . إلى آخره، مرورا بالشوكاني والصنعاني والألباني والأفغاني، حتى صار الأئمة والذين لهم حق التشريع وإعادة صياغة الإسلام ! أكثر من الذين يتبعونهم.

من هنا بدأ البلاء على البلاد والعباد، إن المتدين هذه الأيام بمجرد أن يقرأ قولا في تفسير القرطبي، أو النسفي، أو ابن كثير، لأي رجل مجهول أو معلوم، يعتقدون هذا القول هو الوحي الذي نزل به جبريل على قلب محمد ﷺ مع أنه قد يكون الوحل الذي يرمى به شياطينُ الأنس أو الجن بعضهم إلى بعض.


لقد مات علم الحديث أو كاد، وصار البحث عن صحة الإسناد من أساطير الأولين، واعتاد المتحدثون والخطباء وأُمراء الجماعات على الكذب والباطل ممزوج بشيء من الحق، في نفس الوقت الذي لا يكاد أحدهم يميز بين الخبيث والطيب، والباطل والحق، ولا بين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.


من هنا نشأ الخلاف في أمور الدين كلها، ولقد التقيت بهؤلاء وهؤلاء ورأيت أُناسًا يتحدثون عن الكفر بالطاغوت وزعيمهم لا يعرف كم عدد مجلدات صحيح البخاري، ناهيك عن جَهْلِه بالبخاري وكتابه، وشيوخه وترتيب الكتاب وطبقاته ودرجة الرواة فيه ونوع الأحاديث المذكورة فيه وعلاقة علل الحديث ببعض الطرق المذكورة عنده.

إن بضاعة إخواننا في هذه الجماعات الآن تتجمع في كتاب لابن تيمية أو " فقه السنة" أو شيء من هذا النحو الذي جاء في عصور متأخرة سادها ظلام المذاهب وعفن الفِرق وإعجاب كل ذي رأي برأيه.

وكلما ابتعد الناس عن عهد النبي ﷺ الذي عاش فيه وعصره، وأمر فيه بالمعروف ونهى فيه عن المنكر، كلما كثرت الخلافات وساد الضلال والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وكل إمام يريد تدعيم مذهبه وطريقته وجماعته، بالكذب والدجل، والقول على رسول الله ﷺ بما لم يقل.

ثم ينعكس هدا على عصرنا الحاضر، وما يليه من عصور، فإذا بدأ الحوار حول مسألة ما ، وجدت الأحاديث تخرج من أفواه الأحداث بسرعة قبل أن يرتد إليك طرفك ، وكيفما اتفق ، كذب في كذب في كذب وإذا ما سألتهم ، أين هذه الاحاديث ؟ قالوا : رواها الألباني في "الصحيحة" أو السيد سابق في " فقه السنة" أو ابن تيمية في "الفتاوى" أو ابن القيم في "الزاد" وربما ينحدر بك أحدهم أهوى من هذا الدرك فيقول : رواها الشيخ سيد في "الظلال"!

لذلك ، فعندما أكتب هذا البحث لا أكتبه لهؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله ، لأن هؤلاء سبق أن كتبت لهم "فتنة الاتباع" والذي يقرأ منهم هذا البحث سيشعر بالصدمة التي قد تدفعه إلى تمزيق البحث ، بعد قذف كاتبه بأنواع السباب التي صارت مألوفة ابتداءًا من : هدم الإسلام ، ومحاربة الأُمة ، والكفر ، وانتهاءًا بتخليده في النار مع قارون وهامان وأُبي بن خلف ، وربما بالعمالة للإمبريالية والصهيونية والماسونية.

كل هذه التَّهَم لأننا نقول لهم : لا تتبعوا غير رسول الله ﷺ لأن الله عز وجل لم يجعل الهداية في اتباع سواه ، فقال سبحانه : ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.

وكل هذه السباب لأننا نقول لهم : إن الأحاديث الصحيحة لا تؤخذ من الأفغاني ولا الألباني ولا الشوكاني ولا سيد قطب ولا سابق ، ولا ابن تيمية ولا ابن القيم ، ولكن عودوا إلى دراسة وتعلم مصادر الحديث الاولى ، أيام خير القرون ، عند البخاري ومسلم وأحمد وابن معين ومالك ، بعد بحث كل سند ، وتمحيص كل متن ، وعرضها على أدق فنون علم الجرح والتعديل ، وقواعد علل الحديث.

وسيخلعون علينا كل رزيلة ، لأننا نقول لهم : إن أقوال ابن تيمية وابن القيم وابن باز ، وأي ابن آخر ، وأي مخلوق اَخر ، علت أو سفلت درجته ، أقوالهم ليست بحجة ، لأن الرحمن يقول : ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ فلا حجة في قول أحد بعد رسول الله ﷺ ، ولو كره المشركون.

وهؤلاء ، لا أكتب هذا البحث لهم ، وكل إنسان مازال في عقله رأي فلان وقول فلان ، لن ينتفع بشىءٍ من موضوع النقاب والحجاب.

والذي لا يميز بين الحديث الصحيح والضعيف ، وكل الذي في (السوق) عنده أحاديث ، ولا يملك من العلم أدوات الكشف عن علل الحديث ، وتدليس الرواة ، وضعف الرجال وتوثيقهم؛ هذا لن يتمكن من فهم الكثير ، لأن أحاديث كثيرة من ذوات الأسانيد الواهية ستظل عالقة في رأسه ، ولن نذكرها ها هنا ، وسوف يقول : لماذا لم يحتج بحديث كذا ، أو حديث كذا ، لأننا في بحثنا هذا لن نذكر إِلاَّ ما صح من أحاديث.

وعندما جلست لكتابة هذا البحث ، كنت -ولازلت- أكتبه لطائفة من خلق الله ، أولئك الذين آمنوا أن رسول الله ﷺ أكمل الرسالة.

أي: الذين إذا اختلفوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله ﷺ فقط ، جاعلين خلف ظهورهم كل ما جاء من مذاهب وفرق وطرق وسلف وخلف، والذين يُحَكِّمون رسولَ الله ﷺ في كل ما شجر بينهم ، ولا يجدون في صدورهم حرجًا مما قضى ، ويُسَلِّموا تسليمًا.

والذين كفروا بالإجماع ، والقياس ، والمصالح المرسلة ، وجميع ما وضعه الناس من مصادر للتشريع ، وآمنوا أن الدين في القرآن والحديث ، وما عدا ذلك فإنما هو لهو ولعب وضلال بعيد.

هؤلاء هم الذين أكتب لهم هذا البحث ، سائلاً الله عز وجل التوفيق والسداد ، هو حسبي ونعم الوكيل.

ــــــ اَية الحجاب

سبب نزول الآية :
1= عن أنس بن مالك ، رضي الله تعالى عنه . قال : قال عُمر ، رضي الله عنه : قلتُ : يارسول الله ، يدخل عليك البَرّ والفاجر ، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب . فأنزل الله آية الحجاب.
وهذا جزء من حديث طويل . قال فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه : وافقت ربي في ثلاث ... الحديث.
أخرجه احمد 1/23 و 24 و 36 ، والبخاري 1/111 و 6/24 و 148 و 197 وابن ماجة (1009) ، والترمذي (2960).

2- وعن عروة بن الزبير ، أن عائشة ، رضي الله عنها ، زوج النبي ﷺ قالت : كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله ﷺ : أحجب نساءك . قالت : فلم يفعل ، وكان أزواج النبي ﷺ يخرجن ليلًا إلى ليل قِبَلَ المناصع ، فخرجت سودة بنت زمعة وكانت أمرأة طويلة ، فرآها عمر بن الخطاب ، وهو في المجلس . فقال : عرفناك ياسودة ، حرصًا على أن ينزل الحجاب . قالت : فأنزل الله عز وجل آية الحجاب.
أخرجه أحمد 6/56 و223 و271 ، والبخاري 1/49 و6/150 و7/49 و8/66 ومسلم 7/7و6 ، وابن خزيمة (54) .

3- وعن أنس بن مالك ، رضي الله عنه . قال : أنا أعلم الناس بهذه الآية ، آية الحجاب ، لَمَّا اهديت زينبُ إلى رسول الله ﷺ كانت معه في البيت ، صنع طعامًا ودعا القوم ، فقعدوا يتحدثون ، فجعل النبي ﷺ يخرج ثم يرجع ، وهم قعود يتحدثون ، فأنزل الله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناَه ولكن إذا دُعيتم فادخلوا فإذا طَعِمتم فانتشروا ، ولا مستأنسين لحديث ، إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ . فضُرب الحجاب ، وقام القوم.
هذا الَحديث ؟ من رواية ثابت عن أنس ، أخرجه أحمد 3/195 ، وعبد بن حميد (1206) ، ومسلم 4/148 والنسائي 6/79.
ومن رواية عيسى بن طهمان ، عن أنس ، أخرجه أحمد 3/226 ، والبخارى 9/152 ، والنسائي 6/79.
" ومن رواية أبي مجلز ، عن أنس ، أخرجه البخاري 6/148 و8/66 و75 ، ومسلم 4/149.
ومن رواية أبي قلابة ، عن أنس ، أخرجه أحمد 3/241 ، والبخارى 6/149.
ومن رواية أبي عثمان ، عن أنس ، أخرجه أحمد 3/163 ، ومسلم 4/150 و151 والترمذي (3218) ، والنسائي 6/136.
ومن رواية ابن شهاب ، عن أنس ، أخرجه أحمد 3/168 و236 ، والبخارى 7/30 و107و 8/65 وفي الأدب المفرد (1051) ، ومسلم 4/150.

وفي حديث عائشة ، أُم المؤمنين رضي الله تعالى عنها ، وِهي تروى حادثة الإفك قالت : "... وكان صفوان بن الُمعطَّل السلمى ، ثم الذَّكواني ، قد عرَّسَ من رواء الجيش فأدلج ، فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسانٍ نائم ، فأتاني فعرفني حين رآني ، وقد كان يراني قبل أن يضُرب الحجاب عليَّ ، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني ، فخمرت وجهي بجلبابي ..." الحديث . أخرجه أحمد 6/194 و197 ، والبخارى 3/219 و 227 و 4/40 و 5/110 و 6/96 و 8/168 و 172 و 9/139 و 176 و 193 ، ومسلم 8/112 و 118 وأبو داود (4735).

ومن خلال هذه الأحاديث الصحيحة ، وبعد أن نبذنا خلف ظهورنا كل إسناد لا تقوم به حجة وكل حديث ضعيف احتج به فريق أو أخذ به ، نقف على ما يأتي :

أ- أن آية الحجاب هي التي وردت في سورة الأحزاب ، برقم (53) يقول الله عز وجل : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إنِاَه ، و لكن إذا دعيتم فادخلوا ، فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث ، إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فسألوهن من وراء حجاب ، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ، وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا ، إن ذلكم كان عند الله عظيما﴾.

وهذه الآية الكريمة إذا أبعدنا عنها الذين في قلوبهم مرض من الذين يُحَرِّفون الكلم عن مواضعه والذين يُحَمِّلون الآية ماليس فيها ، نجد بفضل الله تعالى أنه سبحانه ينظم علاقة المسلمين بزوجات رسول الله ﷺ ولاشيء غير هذا. ومن هذه الأمور التي وردت في الآية الكريمة ﴿وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب) فالشرط في ﴿وإذا سألتموهن﴾ مشروط على الذين آمنوا الذين بدأت الاية بالنداء عليهم ، والضمير في ﴿سألتموهن﴾ يعود على زوجات رسول الله ﷺ لا غير ، ثم تلا ذلك حكم آخر في الاية لا يتعداهن وخاص بهن : ﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا﴾.

والذي يرى ان هذه الآية لها أدنى علاقة بالنقاب ، لا فرق بينه وبين الذي يرى أن سورة الفلق نزلت لتقسيم مسائل المواريث!!

فالحجاب هنا ليس حجاب الوجه كما يظن الذي ينعق بما لا يسمع ، بل هو حجاب وساتر بين الرجل من المسلمين وبين زوجة الرسول ﷺ ، حجاب يستر شخصها فهو إذا حادثها لا يرى أمامه غير الساتر ، وهي من وراء هذا الساتر.
وبيان ذلك ورد ضمن روايات الحديث السابق برقم (3) وهو حديث أنس بن مالك ، والذي سبق تخريجه ، ونذكر هنا من رواياته الصحيحة ما يفسر ذلك
ففي رواية عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس قال "... فرجع (ﷺ) حتى إذا وضع رجله في اسْكُفِّةِ الباب دَاخِلةً وأخرى خارجةً ، أرخى الستر بيني وبينه ، وأنزلت آية الحجاب.
" وفي رواية حميد ، عن أنس قال : " ... فرجع حتى دخل البيت ، وأرخى السِّتْر بيني وبينه ، وأنزلت آية الحجاب".
وفي رواية ابن شهاب الزهري ، عن أنس . قال : "... فضرب رسول الله ﷺ وبينهم بستر وأنزل الله عز وجل الحجاب .".

ب - أن الحجاب إنما كان أمرًا خاصًّا بزوجات رسول الله ﷺ لا غير ، ففي الحديث الأول قال عمر ، رضي الله عنه للرسول ﷺ : "... فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب . فأنزل الله آية الحجاب .".

وفي حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها - الحديث الثاني - قالت : " كان عمر يقول لرسول الله ﷺ أحجب نساءك ..."

ويؤيد هذا التخصيص - إضافة إلى ما سبق - قصة زواج النبي ﷺ من صفية بنت حُيي رضي الله عنها ، ففي حديث أنس بن مالك ، رضي الله عنه يقول : "... فقال الناس : والله ما ندري أتزوجها رسول الله ﷺ أو تسراها ؟ فلما حملها سترها وأردفها خلفه ، فعرف الناس أنه قد تزوجها..."

وفي رواية : "... وقال الناس : لا ندري أتزوجها أم اتخذها أمَّ ولد . قالوا: إن حجبها فهي امرأته ، وإن لم يحجبها فهى أم ولد ، فلما أراد أن يركب حجبها ..." أخرجه احمد 3/123 و246 ومسلم 4/146 و 5/185.

فكما أن نساء النبي ﷺ خصهن الله عز وجل بأمور دون غيرهن من النساء مثل المواريث فلا ترث من زوجها ﷺ شيئا ، والزواج ، فلا تتزوج من غيره أبدًا ، كذلك خصها الله عز وجل بالحجاب ، فإذا سألها أحدٌ متاعًا سألها من وراء حجاب.

ثم قد يقول قائل : إذا كان الله عز وجل قد خَصَّ نساءَ النبي ﷺ بالحجاب ، حفاظًا عليهن وصونًا فإنَّ تَمسُّكَ باقي النساء بذلك من باب الإسوة الحسنة والعمل الصالح ، والأخذ بما يصون عفة المرأة ويحمي عرضها.

أقول : كان بالإمكان أن أقول هذا كلام طيب ، ورأي صائب ، وتفكير مستقيم كان من الممكن أن أقول هذا ، ولكن في حالة واحدة هي أن تكون أوامر الاسلام تنبع من الكلام أو تأتي عن طريق الرأي ، أو تخضع لتفكير هذا وذاك.

والإسلام لم يكن هكذا في يوم من الأيام ، ولن يكون ، فالإسلام كتاب وسنة قرآن وحديث ، وماعدا ذلك فأساطير أولين ، مُكَاء وتصدية.

فالذي يحدد العفة وصون العرض ، والأعمال الصالحة ، إنما هو مصدر واحد ذلك هو الوحي الذي نزل على قلب محمد ﷺ ليُخرج الناس من ظلمات العمى ، إلى نور على نور ، وليس استحسان أحد أو استحبابه.

والذي كان على عهد النبي ﷺ أمران ولا ثالث لهما ، ومن ادعى غير هذا فعليه بالبرهان الصادر عن القرآن والحديث فقط ، فلا برهان ولا حجة في أحد من خلق الله كائنا من كان ، خلا الرسول ﷺ.

الأمر الأول : أن نساء النبي ﷺ فُرض عليهن الحجاب دون غيرههن ، هذا إذا كانت في بيتها ، وإذا ما خرجت فإنها تُخَمِّر وجهها بما يستره عن الناس . وهذا سبق بيانه فيما مضى من أحاديث.

الأمر الثاني : أن باقي النساء ، غير زوجات رسول الله ﷺ كنّ إذا سرنَ أو سافرن ، فإنهن لا يُغَطين وجوههن ، بل يضربن بخُمُرهنَّ على صدورهن والوجه ظاهر غير مغطى بشيء ، وهذا ما سنذكر له من الأدلة الآنَ - بحوَل الله - ما يفيد ويقنع كل مسلم يستمع الحق فيتبع أحسنه ، وغير هذا المسلم أنا لا أتحدث إليه الأن أصلًا.

ولكن قبل ذكر الأدلة وجب التنبيه والتحذير ، فإن أشباه المتدينين والذين رضعوا من جهل الفِرَق وتربوا تحت إمرة أمراء الجهل والعفن ، وسمعوا وأطاعوا لكل ناعق ، هؤلاء كلما أورودنا لهم حديثا يثبت كشف وجوه النساء في عهد النبي ﷺ ورؤيته لهن ، سمعت لهم نفورا كنفور الحُمُر ، وقالوا : إن هذا كان قبل نزول الحجاب.

وسبق أن أثبتنا بالقرآن والحديث أن آية الحجاب نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة ، فلا يقول عاقل باحث عن الحق عندما نورد له أن باقي النساء كن يكشفن وجوههن بدليل كذا وكذا : إن هذا قبل نزول آية الحجاب.

وهذه طائفة من الأحاديث الصحيحة القاطعة ، والتي تثبت الأمر الثاني ، والخاص بباقي النساء ، ودون نساء رسول الله ﷺ :

1- عن عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما قال : أردف رسول الله r الفضل بن عباس ، يوم النحر ، خلفه ، على عجز راحلته ، وكان الفضل رجلاَ وضيئًا ، فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم ، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئةٌ ، تستفتي رسول الله ﷺ ، فطفق الفضل ينظر إليها ، وأعجبه حسنها ، فالتفت النبي ﷺ ، والفضل ينظر إليها ، فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل ، فعدل وجهه عن النظر إليها . فقالت : يارسول الله ، إن فريضة الله في الحج على عباده ، أدركت أبي شيخا كبيرًا ، لا يستطيع أن يستوي على الراحلة ، فهل يقضي عنه أن أحج عنه ؟ قال : نعم.".
أخرجه مالك - الموطأ صفحة 236 ، والحميدي (507) ، وأحمد 1/219 و251 و329 و346 و 359 ، والدارمي (8140) ، والبخاري 2/163 و3/23 و5/222 و8/63 ومسلم 4/101 ، و أبو داود (1809) ، والنسائي 5/617 و8/228 وابن خزيمة (3031 و3032 و 3033 و 3036 و 3042).

ففي هذا الحديث : "... وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة ..."
وفيه : "... فطفق الفضل ينظر إليها ، وأعجبه حسنها ...".
فأي شيء نعته ابن عباس في هذه المرأة ؟ ... بأنها وضيئة.
وأين ظهر حسنها الذي أعجب الفضلَ بن العباس رضي الله عنهما ؟ إن المرأة عندما قدمت على رسول الله ﷺ كانت مكشوفة الوجه فنعتها ابن عباس بأنها وضيئة ، وبالتالي أعجب الفضلَ حُسْنهُا.
ولكن هولاء الذين يتعلقون بموضوع النقاب ، وبأي ثمن ، يقولون : إن هذه القصة كانت في حجة الوداع ، والنبي ﷺ عندما ذكر ما ترتديه المرأة في الحج قال : "ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين".

وأقول : نعم . كان هذا في حجة الوداع ، ولكن النبي ﷺ لم يقل "ولا تنتقب المرأة" والصواب أن هذا القول إنما هو من كلام عبد الله بن عمر ، رضي الله عنه ، وليس من كلام رسول الله ﷺ.

وهنا لابد من عرض الحديث على علم "علل الحديث".
فقد رواه البخاري 3/19 من رواية الليث بن سعد ، قال : حدثنا نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قام رجل فقال : يارسول الله ، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام ؟ فقال النبي ﷺ : لا تلبسوا القُمُص ولا السراويلات ولا العمائم ولا البرانس ، إِلاَّ أن يكون أحدٌ ليست له نعلان فليلبس الخفين ، وليقطع أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا شيئًا مسه زعفران ، ولا الورس ، ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين .".
ثم قال البخاري : تابَعَهُ موسى بن عقبة وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وابن إسحاق في النقاب والقفازين ، وقال مالك عن نافع عن ابن عمر لا تنتقب المرأة.

ومالك رحمه الله ، هو من أوثق الرواة عن نافع ، كما هو مقرر عند أهل الحديث ، فرواية مالك في هذا الحديث موقوفة على ابن عمر ، ورفعها الليث والصواب ما رواه مالك.
فقوله في الحديث "ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين" صوابه أنه موقوف من قول عبد الله بن عمر ، ليس من قول النبي ﷺ.

وقد رواه على الصواب - موقوفًا - مالك في الموطأ صفحة 217 من رواية يحيى بن يحيى ، عن مالك ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر كان يقول : لا تنتقب المرأة المحرمة ، ولا تلبس القفازين.

وكذلك رواه موقوفًا عُبيد الله بن عمر العُمري ، عن نافع ، عن ابن عمر. أخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده ، عن محمد بن بشر وحماد بن مسعده ، وابن خزيمة من طريق بشر بن الفضل . ثلاثتهم عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، فساق الحديث إلى قوله "ولا ورس" قال : وكان عبد الله - يعني ابن عمر- يقول "ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين" انظر "فتح الباري" 4/64 شرح الحديث (1738) . وهناك في الفتح زيادات لم ننقلها خوفا من الإطالة فلتراجع هناك ففيها فوائد كثيرة.

ونعود الآن الى حديث الخثعمية الذي حاولوا إبعادنا عنه ، والذي يثبت بلا أدنى ريب ، أن رسول الله ﷺ أقرّ هذه المرأة على كشف وجهها مما يدلل على أن كشف الوجه كان هو المعروف في عهده ﷺ.

2- الحديث الثاني ، الذي يدلل على أن نساء المؤمنين كن لا يلبسن نقابًا على عهده ﷺ ، ما رواه جابر بن عبد الله ، رضي الله عنهما . قال : "شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، بغير أذان ولا إقامة ، ثم قام متوكّئا على بلال ، فأمر بتقوى الله ، وحث على طاعته ، ووعظ الناس ، وَذَكَّرَهُم ثم مضى حتى أتى النساء ، فوعظهن وَذَكَّرهن . فقال : تصدقن ، فإن أكثركن حطب جهنم . فقامت امرأة من سطَة النساء ، سفعاء الخدين . فقالت : لِمَ يا رسول الله ؟ قال : لأنّكنّ تكثرن الشَّكاةَ ، وتكفرَنَ العشير . قال : فجعلن يتصدقن من حُليّهن ، يُلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن .".
أخرجه أحمد 3143 و318 و382 ، والدارمي (1610 و1618) ، ومسلم 3/19 ، والنسائي 3/182 و 186 ، وابن خزيمة (1460).

ومعنى "من سطة النساء" أي من خيارهن ، والوسط . العدل والخيار.
ومعنى "سفعاء الخدين" أي خداها بهما سواد مشرب بحمرة.

وفي هذا الحديث يروي لنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، ما جرى أمام رسول الله ﷺ ، وقيام إمرأة من الصحابيات اللاتي حضرن صلاة العيد ، ثم نعْتُها وذكر لون خديها ، وهذا دليل آخر على ما أشرنا إليه من أن وجوه النساء في عهده ﷺ كانت ظاهرة إلى هذه الدرجة التي ذكرها جابر بن عبد الله رضي الله عنه . فإن قال قائل : إن ذلك كان قبل نزول آية الحجاب . قلنا له : وآية الحجاب سبق ذكر الأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ أنها خاصة بزوجات النبي ﷺ.

بل وصل السخف بأتباع الذين تشابه البقر عليهم ، من بقايا الذين حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها أن يقولوا : إن جابر بن عبد الله عندما رأى وجه المرأة ونعته ، كان في هذه اللحظة تصادف مرور رياح شديدة ، كشف النقاب عن وجه هذه المرأة بالذات ، من أجل أن يراها جابر ، ثم عندما راَها توقفت الرياح ، وعاد النقاب إلى سيرته الأولى!!

وأنا لن أرد على هؤلاء الذين كذبوا على الله ، وعلى رسوله ﷺ لأن الحديث الذي ورد عن رسول الله ﷺ لم يزدهم إِلاَّ خسارًا وإذا كانوا لم يهتدوا بحديث رسول الله ﷺ ، وَحَّرفوه بالهواء والرياح ، فلن ينفعهم نصُحي ولا ردّي ، ولذلك قلت في التقديم : إن هذا مكتوب لأحباب رسول الله ﷺ فقط لا غير ، الذين أحبوّه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه.

3- والحديث الثالث ، الذي يثُبت كشف وجه النساء على عهد النبي ﷺ ما رواه سهل بن سعد الساعدي ، رضي الله عنه ، قال : جاءت امرأة الى رسول الله ﷺ فقالت : يارسول الله ، جئت أهب لك نفسي ، فنظر إليها رسول الله ﷺ ، فَصَعَّدَ النظرَ فيها وصَوَّبَهُ ثم طأ طأ رسول الله ﷺ رأسه ، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست ..." الحديث.
أخرجه مالك (الموطأ) صفحة 325 ، والحميدي (928) ، وأحمد 5/330 و334 و336 ، والدارمى (2207) ، والبخارى 3/132 و6/236 و237 و7/8 و17 و19و21و22 و24 و26 و201 و9/151 ، ومسلم 4/143 و144 ، وأبودا ود (2111) ، وابن ماجة (1889) ، والترمذى (1114) ، والنسائي 6/54 و91 و113 و123.

وفي هذا الحديث نظر رسول الله ﷺ إلى هذه المرأة وَصَعَّدَ فيها النظر وصوّبه ، فهل نظر إلى النقاب الذي على وجهها ليحدد إن كان سيتزوجها أم لا ؟ لقد نظر رسول الله - لاريب - إلى وجه هذه المرأة.

4- والحديث الرابع ما روته أم المؤمنين ، عائشة ، رضي الله تعالى عنها . قالت : "إن نساءً من المؤمنات كُنَّ يصُلين مع رسول الله ﷺ الصبح ، متلفعات بمروطهن ، ثم يرجعن الى أهلهن وما يعرفهن أحد من الغلس .".
أخرجه الحميدي (174) ، ومالك في الموطأ (30) ، وأحمد 6/33 و37 و178و248 والبخارى 1/104 و151 و 219 ومسلم 2/118 و119 وأبودا ود (423) ، وابن ماجة (669) ، والتر مذي (153) ، والنسائي 1/217 و3/82 ، وابن خزيمة (350).

وفي هذا الحديث أيضًا دلالة واضحة أن المانع والسبب فى عدم معرفة النساء بعد صلاة الفجر ، هو الغلس - أي ظلمة آخر الليل - فلولا الغلس لعرفن ، ولو كُنَّ منتقبات لما كان هناك فرق في عدم معرفتهن بين الغلس ، ووقت الظهيرة ، فوجوههن كانت مكشوفة والذي منع من معرفتهن هو الغلس.

وبعد ،
لم أشأ في هذا البحث أن أقوم بالرد على ما احتج به الذين قالوا بوجوب النقاب من أدلة وأقوال لفلان وفلان من الذين اتخذهم الناس أئمة لأن صحة نسبة هذه الأقوال لأصحابها وعدم صحتها سواء ، فلا حجة فيها صحت أو لم تصح ، لأن الحجة في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسوله ﷺ.

وقد احتج الذين قالوا بعدم وجوب النقاب أيضا بأحاديث واهية وأقوال منسوبة لهذا المذهب أو الأمام أوذاك ، وكل فريق قام بخوض غمار كتب التفسير ، وما فيها من أباطيل وأقوال وكلٌ يأتي ويستخرج ما يؤيد ما ذهب إليه.

وكان بالإمكان – ولا زال إن شاء الله - أن أقوم بجمع هذه الأقوال وإظهار ما فيها ، ولكن سبق أن أشرت إلى أنّ هذا البحث كُتب للذين يؤمنون بأن أي (قول) لأي (فلان) سواء علت منزلته أو سفلت ليس بحجة.

لقد أمر الله سبحانه نساء النبي خاصة بالحجاب ، وأنزل لهن اَية الحجاب خاصة وقد سبق في بداية البحث إثبات ذلك.
أما نساء المؤمنين - دون أمهات المؤمنين - فقد كان الأمر لهن في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾
و(الخُمُر) جمع خمار ، وهو ما يُغطى به الرأس ، و(الجيوب) جمع جيب ، وهو موضع القطع من الدرع والقميص ، فأمر الله سبحانه بإسبال الخمار على العنق والصدر ، فدل على وجوب سترهما ، ولم يأمر فيه بتغطية الوجه.

لقد أمر الله سبحانه المؤمنين بغض أبصارهم فقال سبحانه : ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم﴾ فإذا البست المرأة النقاب ، ولم يظهر منها شيء ، فأي شيء هذا الذي نهى الله سبحانه المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عنه؟!

وأمر الله عز وجل نبَيَّهُ الكريم فقال :
﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من ازواج ولو اعجبك حسنهن﴾ . فإذا لبست المرأة النقاب ولم يظهر منها شيء فأي حسن سيظهر من المرأة ؟ وما هو موضع الحسن في لسان العرب الذي لا يتعداه إلى غيره ؟ إنه وجه المرأة لاريب فيه.

وبقي أمران :
الأول : أن هناك بعضَ الذين خَلُصَت نواياهم من الذين اَمنوا بالقرآن والحديث ، وعلموا أن النقاب خاص بزوجات رسول الله ﷺ إذا خرجن ، والحجاب خاص بهن ، رضي الله عنهن إذا تحدثن مع الصحابة وغيرهم ، واَمنوا أن الخمار الذي يكشف الوجه خاص بباقي النساء دون أمهات المؤمنين.

هؤلاء يقولون : لا مانع من أن تلبس عامة النساء النقاب ، مادام الأمر لم يَرِدْ فيه تحريم.

وقد فرضتُ حُسْنَ النية عند هؤلاء ولم أفترض فيهم أنهم ما قالوه وما فعلوه إِلاَّ من باب التقليد الأعمى والجري وراء عفن الفرق ، وأمراء الجهل والمرض.

وأقول لهؤلاء: ثبت لكم بالدليل القاطع ما كان على عهد النبي ﷺ وما تركه لنا ، وما راَه وأقره ﷺ وقرأتم آية الحجاب ، وكيف أنها كانت - وستظل - في أزواج رسول الله ﷺ ورأيتم وجوه النساء كيف كانت مكشوفة في عهده ﷺ وذلك هو الأمر الذي عاش عليه وترك المسلمين عليه.
والنبي ﷺ يقول : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
أخرجه أحمد 6/73 و146 و180 و240 و256 و270 ، والبخاري 3/241 ، ومسلم 5/132 ، وأبوداود (4606) ، وابن ماجة (14) من حديث القاسم بن محمد ، عن عائشة ، رضي الله عنها

ونقول لهؤلاء ، إن كانوا من الذين يزعمون أنهم يأخذون دينهم من الكتاب والسنة :
الأذان الذي كان على عهد النبي ﷺ ، هل يقوم المؤذن بعده ، وبصوت مرتفع بالصلاة والسلام على رسول الله ﷺ لمدة ربع ساعة ، بدعوى أن الصلاة والسلام على رسول الله بعد الأذان لم يرد نص بتحريمها ؟

وكذلك إضافة التواشيح قبل أذان الفجر بنصف ساعة ، هل هو مشروع وحلال مادام لم يرد أمر بتحريمه ؟!

وصلاة الجمعة التي كانت على عهده ﷺ ، ترك الأمر على أنه لم يكن هناك قارئ يجلس قبل الخطبة يقرأ عليهم القرآن وسورة الكهف منه بالذات ، فهل يجوز الآن إضافة ذلك على صلاة الجمعة وشعائرها ، بحجة أنه لم يرد نص بمنع ذلك أو تحريمه ؟!

وعند رمي الجمار في الحج ، رمى النبي ﷺ جمرة العقبة بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة ، فهل يصلح أن يرميها المسلم بسبع وتسعين حصاة – مثلا - بحجة أنه لم يرد نص بتحريم التسعين حصاة الزيادة وأن الزيادة خير ؟! وهكذا في كل العبادات والاحكام.

فإن قال قائل : هذه الأمور جاءت محددة بنص قاطع.
أقول : والذي ورد في شأن الحجاب والنقاب والخمار جاء بنص قاطع.

قلت : بقي أمران ، فذكرتُ واحدا منهما ، وهذا هو الثاني ، أقول : إن هؤلاء ومن دافع الاحتجاج بغير الرسول ﷺ في بيان اَيات الله ، هؤلاء يظنون أن قول الله عز وجل : ﴿يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيما﴾ الأحزاب 59.
يظنون أن هذه الآية تعني تغطية الوجه.

في نفس الوقت الذي رأى فيها غيرهم أنها تعني كشف الوجه.
وسبب هذا الخلاف أن هؤلاء وهؤلاء لم يرجعوا الى كتب الحديث والأخذ منها بما صح سندًا ومتنًا ، بل رجعوا إلى كتب الإسرائيليات والأقوال المبتورة السند ، وآراء الناس ومذاهبهم مثل كتب التفسير ، والغريب أن كل فريق يأخذ ما يوافق هواه ويدع ما يخالفه.

ذنب هؤلاء أنهم ظنوا أن كتب التفسير فيها ما يسمن أو يطعم من جوع فراحوا ينقلون منها في كتبهم دون تدقيق أو تمحيص ، فحطبوا بليل ، فأصابهم سيئات ما جمعوا . فالذي يؤيد الخمار والذي يعارضه والذي يؤيد النقاب الخاص بالعين اليسرى والذي يعارضه ، والذي يرفض هذا كله ، كل هؤلاء ينقلون من صفحة واحدة في كتاب واحد ، وبطريقة الانتقاء فكل واحد يأخذ ما يناسب مقاسه!

خذ مثلا تفسير هذه الآية عند ابن كثير ، في تفسيره المجلد الثالث /صفحة 518/ طبعة دار التراث : قال ابن كثير (ولم يذكر أَيَّ إسناد لما قاله) "الجلباب هو الرداء فوق الخمار قاله ابن مسعود ، وعبيدة ، وقتادة ، والحسن البصري ، وسعيد بن المسيب ، وإبراهيم النخعي ، وعطاء الخراساني ، وغير واحد.

وقال الجوهري : الجلباب المانعة . (للعلم نحن ما زلنا ننقل عن ابن كثير) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة ."
(وللعلم فإن هذا القول الذي اعتمدوه وأشاعوه ونشروه وأعتقدوا أنه الوحي الصادق ، وعين اليقين ، الغريب أنه قول يحمله إسناد أبتر ، ورجل أعوج ، فإن علي بن أبي طلحة لم يسمع من عبد الله بن عباس التفسير. انظر "المراسيل" لابن أبي حاتم صفحة 118/الترجمة (567) ففيها خلاف شديد حوله بين الجرح والتعديل ، ولكن الذي لا خلاف فيه ، انه لم يسمع من ابن عباس ، فهذه هي أسانيد الجهل والمرض المنتشرة في مستنقعات وأوحال جماعات الضلال والعفن ، ثم نعود إلى تفسير ابن كثير فما زال في الآراء والقيل والقال بقية) :

وقال محمد بن سيرين : سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل ﴿يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى.
وقال عكرمة : تغطي ثغرة نحرها بجلبابه تدنيه عليها.
وكلام كثير من هذا النوع من القيل والقال ، وإنما ذكرنا إسناد أوثق ما يعتمدون عليه مع أن ابن كثير ذكر له خُمُس إسناد فقط ، وهو ما رواه علي بن أبي طلحة.

ولو رجعنا الى كتب اللغة ومعاجمها وقواميسها للوقوف على معنى الجلباب لوقعنا في نفس درجة التخبط.
فاذا نظرنا على أشمل هذه الكتب - على وجه التقريب - وهو "لسان العرب" المجلد الأول صفحة 272 : 273 للبحث عن معنى الجلباب لوجدنا : الجلباب : القميص . والجلباب : ثوب أوسع من الخمار ودون الرداء تغطي به المرأة رأسها وصدرها ، وقيل هو الملحفة ، وقيل : هو دون الملحفة وقيل : هو الخمار وقيل الملاءة ... إلى اَخره.

وتأتي كل فرقة فتأخذ من ابن كثير ما يناسبها ، ومن القاموس مايؤيد هواها . فالذين يقولون بالنقاب يقولون : الجلباب في القاموس ثوب أوسع من الخمار دون الرداء ، تغطي له المرأة رأسها وصدرها.

والذين يقولون بالخمار يقولون : الجلباب في القاموس هو الخمار.
وهكذا اختلط الحابل بالنابل والسم والدسم ووصل الأمر إلى حالة من التمزق والخلاف بين مذاهب وفرق جميعها يزعم أن الإسلام هو الحل ، وفريق ثالث يؤمن أن الحل هو أن يطلب هؤلاء العلم كما طلبه الجيل الأول ، أو يتركوا الإسلام وشأنه فما هو بيان هذه الآية ؟
وأين نقف عليه ؟ حتى لا نضل.
والإجابة تقودنا إلى أن نقول :
عندما يأمر الله عز وجل بالصلاة فإننا نعلم أن النبي ﷺ هو المرجع الأول والأخير لبيان الصلاة ، حرفًا حرفًا وركنًا ركنًا ، فهو الذي يبين ركوعها وسجودها ووضوءها وختامها.

وعندما يأمر الله عز وجل بإيتاء الزكاة فإن نصابها وأداءها ووقتها وأحقّ الناس بها يبينها الذي نَزّل الله تبارك وتعالى عليه القرأن ليبين للناس ما نزّل إليهم.
وهكذا في الصيام والحج واللباس والزينة والأطعمة والأشربة وكل شيء وهذه الآية التي نريد بيانها نزلت على رسول الله ﷺ.

والذي كان على عهد النبي ﷺ هو بيان وتفسير هذه الآية . والذي كان على عهده هو ما سبق وبيناه بالقراَن والحديث.
فأُمهات المؤمنين إذا سألهن الناس متاعا سألوهن من وراء حجاب ، وإذا خرجن جعلن الخمار أو الجلباب على وجوههن.

وباقي النساء يسرن مكشوفات الوجه.
هذا ماكان في عهده ﷺ ، وهو البيان الوحيد للآية.
والحمد لله رب العالمين

أبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم
وأتحدث فقط في هذه الأمور:
الأول:
حديث عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ ‏"‏كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع الرسول صلى الله عليه وسلّم، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها‏.‏ فإذا جاوزونا كشفناه‏"‏، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه‏
أخرجه ابن أبي شَيْبَة 3/720 (14446) قال : حَدَّثَنا ابن فُضَيْل . و"أحمد" 6/30 (24522) قال : حدَّثنا هشيم . و"أبُو داوُد" (1833) قال : حَدَّثنا أحمد بن حنبل , حدَّثنا هشيم . و"ابن ماجَة" (2935) قال : حَدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة , قال : حدَّثنا مُحَمَّد بن فضيل (ح) وحدَّثنا علي بن مُحَمَّد , قال : حدَّثنا عبد الله بن إدريس . و"ابن خُزَيمة" (2691) قال : حَدَّثناه عبد الله بن سعيد الأشج , حدَّثنا ابن إدريس (ح) وحدَّثنا يُوسُف بن مُوسَى , حدَّثنا جرير (ح) وحدَّثنا مُحَمَّد بن هشام , حدَّثنا هشيم.
أربعتهم (مُحَمَّد بن فُضَيْل ، هُشَيْم ، وعبد الله بن إدريس ، وجرير بن عبد الحميد) عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن عائشة، به.
وفي إسناده علتان:
الأولى: مُجاهد بن جَبر لم يسمع من عائشة.
والثانية: يزيد بن أبي زياد ليس بثقةٌ ، من رؤوس الشيعة.
يكفي أن يقول فيه ابن حجر: يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم، الكُوفِيُّ، ضَعِيفٌ، كَبِرَ فتغيَّرَ وصار يتلقن وكان شِيعيًّا. "تقريب التهذيب".
* * *
الثاني، قول أحد الإخوة:
قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ ‏"‏أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة‏"‏‏ و هذا قول لا يقال بالرأي لأنه أمر من الله سبحانه و تعالى.
وذهب الأخ إلى القطع بأن هذا لا يُقال بالرأي ، ومعناه أنه من قول النبي صلى الله عَليه وسلم.
وأقول للأخ : الذي روى هذا الكلام عن ابن عباس هو : علي بن أبي طَلْحَة سالم، أبو الحَسَن، أو أبو مُحَمَّد، أو أبو طلحة، مولى بني العَبَّاس، فقط لا غير.
وعلي هذا لم يسمع من ابن عباسٍ شيئًا !!
ـ قال ابن طَهْمان : سمعتُ يَحْيَى يقول : علي بن أَبِي طَلْحَة , روى عنه بُدَيْل في التفسير , ولم يسمع من ابن عَبَّاس شيئًا , فروى مرسلاً. "سؤالاته" (260).
ـ وقال أبو حاتم الرازي: سمعت دُحيما يقول إن علي بن أبي طلحة لَم يَسمع مِن ابن عباس التفسير.
وقال أبو حاتم الرازي: علي بن أبي طلحة، عنِ ابن عباس، مُرسَل إنما يروي، عن مجاهد والقاسم بن محمد وراشد بن سعد ومحمد بن زيد. "المراسيل" 1/140.

وليس هذا فقط ؛ بل لنا لقاء مع أحمد بن حنبل، رضي الله عنه؛
ـ قال الميموني : قال أبو عَبد الله أحمد بن حنبل: علي بن أبي طلحة ، له أشياء منكرات ، رجل من أهل حمص. "سؤالاته" (374).

ثم يا أخي ، طالما تنقل عن ابن عباس، فكان يلزمك أن تنقل كل ما جاء عنه ، ولا يصح أن تختار ما يناسبك من كلام ابن عباس ، وتترك ما لا يناسبك.
قال ابن كثير: وقال الأعمش ، عن سعيد بن جُبَير ، عن ابن عباس : {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال : وجهها وكفيها والخاتم. "تفسير ابن كثير" 6/45.

وقال ابن كثير: ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين ، وهذا هو المشهور عند الجمهور.
وأنا لا أذكر ذلك احتجاجًا ، ولكن لأبين لك أن ابن عباس نُسبت له عدة أقوال ، وليس القول الذي نقلته أنت فقط.
* * *
الثالث: قال أحد الإخوة.
أريد أن أسأل سؤالا، حديث النبي في النهي عن لبس النقاب للمحرمة , ماذا يفيد عندك لغير المحرمة ؟؟.
أقول:
حديث النهي عن لبس النقاب للمحرمة ، لو صحت نسبته للنبي ﷺ ، لأن الإخوة المتخصصين في علل الحديث يعلمون الخلاف في وقف ذلك على ابن عمر ، وأن قوله: لا تنتقب المرأة ، إنما هو من قول ابن عمر ، حتى قال البيهقي:
ـ أَخْبرنا أَبو عَبدِ اللهِ الحافِظُ، قالَ: قالَ أَبو علِيٍّ الحافِظُ: "لاَ تَنتَقِبُ المَرأَةُ" مِن قَولِ ابنِ عُمرَ، وَقَدْ أُدْرِجَ فِي الحَديثِ. "السنن الكبرى" 5/47.
والحديث؛ أخرجه مالك (918). وابن أَبِي شَيْبَة 4/322:1(14438) قال: حَدَّثنا وَكِيع، عن فُضَيْل بن غَزْوَان. وفي 4/323:1(14439) قال: حَدَّثنا أبو خالد الأَحْمَر، عن يَحْيَى بن سَعِيد، وعُبَيْد اللهِ. وفي 4/337:1(14541) قال: حَدَّثنا أبو خالد، عن يَحْيَى، وعُبَيْد اللهِ. وفي (14543) قال: حَدَّثنا عَبْدَة بن سُلَيْمَان، عن عُبَيْد اللهِ.
ثلاثتهم (مالك بن أَنَس، وفُضَيْل بن غَزْوَان، ويَحْيَى بن سَعِيد، وعُبَيْد اللهِ بن عُمَر) عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لاَ تَنْتَقِبُ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلاَ تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ. "موقوف".
على أي حال ، هذا ليس مجال سؤال الأخ ، الأخ يقول:
أريد أن أسأل سؤالا حديث النبي في النهي عن لبس النقاب للمحرمة , ماذا يفيد عندك لغير المحرمة ؟؟.
الأمر سهلٌ؛
الله تعالى يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة : 197].
هذه الآية ماذا تفيد عندك في غير الحج ؟!

وللتوضيح: هناك من يقول: قول النبي صلى الله عَليه وسلم للمحرمة: ولا تنتقب المرأة.
معناه أنها تنقب في غير الإحرام.
وعلى نفس خط الحوار ، الله تعالى قال: {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ}.
فهل معناه : ارفثوا، وافسقوا، وجادلوا في غير الحج؟

وفي النهاية أقول، لرفع سوء الظن، أخوكم هو أحد الذين دافعوا عن ابنتنا المنتقبة التي أهانها شيخ الأزهر الذي كان شريفا.
* * *
يقول الشيخ الألباني: وجه المرأة ليس بعورة، ولا يجب عليها سترة.
الألباني يتهم الذين تعصبوا للنقاب بأنهم كتبوا مستسلمين للعواطف البشرية، والاندفاعات الشخصية ، والتقاليد البالية ، وليس استسلاما للأدلة الشرعية.
الألباني يتهم الذين كتبوا بوجوب النقاب باللجوء إلى استعمال الرأي، ولغة العواطف، أو ما يشبه الفلسفة.
حمل كتاب الشيخ الألباني من هنا:
http://www.4shared.com/file/149260770/5aca2b93/___online.html

الصحابة وسلفهم الذين قالوا بكشف الوجه:
تكرر هنا كثيرا، القول بأنه لم يقل بكشف الوجه والكفين، من الصحابة والتابعين، وعلماء الأمة إلا القليل، والنادر، بل قال أحدهم وهذا النادر رجع وأمر بتغطية الوجه والكفين زمن الفتنة.
والحقيقة خلاف ذلك، لأن نفرا قليلا جدًّا من العلماء هم الذين قالوا بالتغطية.
وسأنقل لكم الآن عن أحد المواقع، بحثا لأحد المشاركين، لم أصدقه في البداية، فراجعتُ المراجع التي ذكرها بالجزء والصفحة، وإليكم مشاركته:

الصحابة
مصنف ابن أبي شيبة 235 - (9/281)
17290- حَدَّثنا شَبابَةُ بن سَوّارٍ, قال: حَدَّثنا هِشامُ بن الغازِ, قال: حَدَّثنا نافِعٌ، عن ابن عُمَرَ، قال: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: الوجهُ والكَفّانِ.
السنن الصغرى للبيهقي 458 - (1/149)
وامّا المَرأَةُ الحَرَّةُ فَقَد قال الله عَزَّ وجَلَّ: {ولاَ يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنها}.
263- ورُوِيَ عن ابن عَبّاسٍ أَنَّهُ قال: ما فِي الوجهِ والكَفينِّ.
264- وعن عائِشَةَ، ما ظَهَرَ مِنها الوجهُ والكَفّانِ , ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ.

التابعون
مصنف ابن أبي شيبة 235 - (9/282)
17292- حَدَّثنا شَبابَةُ, عن هِشامٍ، قال: سَمِعتُ مَكحُولاً يَقُولُ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: الوجهُ والكَفّانِ.
تفسير الطبري 310 (دار هجر) - (17/258)
26166- حَدَّثَنا ابن بَشّارٍ، قال: حَدَّثَنا أَبو عاصِمٍ، قال: حَدَّثَنا سُفيانُ، عن عَبدِ اللهِ بن مُسلِمِ بن هُرمُزَ، عن سَعِيدِ بن جُبَيرٍ، فِي قَولِهِ: {ولاَ يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنها} قال: الوجهُ والكَفُّ.
26167- حَدَّثَنا عَمرُو بن عَبدِ الحَمِيدِ قال: حَدَّثَنا مَروانُ بن مُعاوِيَةَ، عن عَبدِ اللهِ بن مُسلِمِ بن هُرمُزَ المَكِّيِّ، عن سَعِيدِ بن جُبَيرٍ، مِثلَهُ.

أصحاب المذاهب
المالكية:
التمهيد 463 - (6/364)
قال ابن عبد البَر: وقد أجمعوا أنه من صلى مستور العورة فلا إعادة عليه وإن كانت امرأة فكل ثوب يغيب ظهور قدميها ويستر جميع جسدها وشعرها فجائز لها الصلاة فيه لأنها كلها عورة إلا الوجه والكفين على هذا أكثر أهل العلم.
وقد أجمعوا على أن المرأة تكشف وجهها في الصلاة والإحرام.
وقال مالك، وأبُو حنيفة والشافعي وأصحابهم وهو قول الأوزاعي وأبي ثور على المرأة أن تغطي منها ما سوى وجهها وكفيها
الحنفية
شرح معاني الآثار 321 - (3/16)
ـ وقال الطحاوي: واذا ثَبَتَ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى وجهِ المَرأَةِ لِيَخطُبَها حَلاَلٌ، خَرَجَ بِذَلِكَ حُكمُهُ مِن حُكمِ العَورَةِ، ولأنّا راينا ما هُو عَورَةٌ لاَ يُباحُ لِمَن أَرادَ نِكاحَها النَّظَرُ إِلَيها.
أَلاَ تَرَى أَنَّ مَن أَرادَ نِكاحَ امراةٍ، فَحَرامٌ عَلَيهِ النَّظَرُ إِلَى شَعرِها، وإِلَى صَدرِها، وإِلَى ما هُو أَسفَلَ مِن ذَلِكَ فِي بَدَنِها، كَما يَحرُمُ ذَلِكَ مِنها، عَلَى مَن لَم يُرِد نِكاحَها، فَلَمّا ثَبَتَ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى وجهِها حَلاَلٌ لِمَن أَرادَ نِكاحَها، ثَبَتَ أَنَّهُ حَلاَلٌ أَيضًا لِمَن لَم يُرِد نِكاحَها، إِذا كانَ لاَ يَقصِدُ بنظَرِهِ ذَلِكَ لِمَعنى هُو عَلَيهِ حَرامٌ.
وقَد قِيلَ فِي قَولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: {ولاَ يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا ما ظَهَرَ مِنها}: إِنَّ ذَلِكَ المُستَثنَى هُو الوجهُ والكَفّانِ، فَقَد وافَقَ ما ذَكَرنا مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ هَذا التّاوِيلَ.
ومِمَّن ذَهَبَ إِلَى هَذا التّاوِيلِ مُحَمدُ بن الحَسَنِ، كَما حَدَّثنا سُليمانُ بن شُعَيبٍ بِذَلِكَ، عن أَبِيهِ، عن مُحَمدٍ.
وهَذا كُلُّهُ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ، وأَبِي يُوسُفَ، ومُحَمدٍ.
الشافعية
السنن الكبرى البيهقي 458 - (7/86)
قال البيهقي: قال اللهُ تَبارَكَ وتَعالَى: {ولاَ يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنها}.
قال الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: إِلاَّ وجهَها وكَفَّيها.
أصحاب التفاسير والكتب
تفسير الطبري 310 (دار هجر) - (17/261)
قال الطبري: وأولَى الأَقوالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوابِ: قَولُ مَن قال: عنيَ بِذَلِكَ الوجهُ والكَفّانِ، يَدخُلُ فِي ذَلِكَ إِذا كانَ كَذَلِكَ الكُحلُ، والخاتَمُ، والسِّوارُ، والخِضابُ والثياب.
وانَّما قُلنا ذَلِكَ أَولَى الأَقوالِ فِي ذَلِكَ بِالتّاوِيلِ، لِإِجماعِ الجَمِيعِ عَلَى أَنَّ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ أَن يَستُرَ عَورَتَهُ فِي صَلاَتِهِ، وانَّ لِلمَرأَةِ أَن تَكشِفَ وجهَها وكَفَّيها فِي صَلاَتِها، وانَّ عَلَيها أَن تُستَرَ ما عَدا ذَلِكَ مِن بَدَنِها إِلاَّ ما رُوِيَ عن النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّمَ أَنَّهُ أَباحَ لَها أَن تُبدِيَهُ مِن ذِراعِها إِلَى قَدرِ النِّصفِ فاذ كانَ ذَلِكَ مِن جَمِيعِهِم إِجماعًا، كانَ مَعلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ لَها أَن تُبدِيَ مِن بَدَنِها ما لَم يَكُن عَورَةً كَما ذَلِكَ لِلرِّجالِ ؛ لأَنَّ ما لَم يَكُن عَورَةً فَغَيرُ حَرامٍ إِظهارُهُ . واذا كانَ لَها إِظهارُ ذَلِكَ، كانَ مَعلُومًا أَنَّهُ مِمّا استَثناهُ الله تَعالَى ذِكرُهُ بِقَولِهِ: {إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنها} لأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ مِنها.
أحكام القرآن للجصاص 370 - (5/172)
قال أَبو بَكرٍ الجصاص: قَوله تَعالَى: {ولاَ يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ ما ظَهَرَ مِنها إنَّما أَرادَ بِهِ الأَجنَبِيِّينَ دُونَ الزَّوجِ وذَوِي المَحارِمِ ؛ لأَنَّهُ قَد بَيَّنَ فِي نَسَقِ التِّلاَوةِ حُكمَ ذَوِي المَحارِمِ فِي ذَلِكَ.
وقال أَصحابنا: المُرادُ الوجهُ والكَفّانِ ؛ لأَنَّ الكُحلَ زِينَةُ الوجهِ والخِضابَ والخاتَمَ زِينَةُ الكَفِّ، فاذ قَد أَباحَ النَّظَرَ إلَى زِينَةِ الوجهِ والكَفِّ فَقَد اقتَضَى ذَلِكَ لاَ مَحالَةَ إباحَةَ النَّظَرِ إلَى الوجهِ والكَفَّينِ.
ويَدُلُّ عَلَى أَنَّ الوجهَ والكَفَّينِ مِن المَرأَةِ لَيسا بِعَورَةٍ أَيضًا أَنَّها تُصَلِّي مَكشُوفَةَ الوجهِ واليَدَينِ، فَلَو كانا عَورَةً لَكانَ عَلَيها سَترُهُما كَما عَلَيها سَترُ ما هُو عَورَةٌ.
المحلى 456 - (3/210)
قال ابن حزم: والعَورَة المُفتَرَض سَترُها عَلَى النّاظِر وفِي الصَّلاة ؛ من الرَّجُل: الذَّكَر وحَلقَة الدُّبُر فقَط؛ وليس الفَخِذ منه عَورَةً وهِي من المَرأَةِ: جَمِيع جِسمِها، حاشا الوجهِ، والكَفَّين فقَط، الحُرُّ، والعَبدُ، والحُرَّةُ، والأَمَةُ، سَواء فِي كُلّ ذَلك ولا فرقَ.
وقَد رُوِّينا عن ابن عَبّاس فِي ولا يُبدِين زِينتَهُنّ إلاّ ما ظَهَر منها قال: الكَفُّ، والخاتَمُ، والوجهُ.
وعن ابن عُمر: الوجهُ، والكَفّانِ، وعن أَنسٍ: الكَفُّ، والخاتَم وكُلّ هَذا عنهُم فِي غايَة الصِّحَّةِ، وكَذَلك أَيضًا عن عائِشَة وغَيرِها من التّابِعِين.
شرح السنة 516 - (9/23)
قال البغوي: وأما المرأة مع الرجل، فإن كانت أجنبية حرة، فجميع بدنها عورة في حق الرجل لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه واليدين إلى الكوعين، لقوله عز وجل: {ولاَ يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنها} قيل في التفسير: هو الوجه والكفان.
المجموع للنووي 676 - (3/170)
قال النووي: وأما الحرة فجميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين لقوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} النور: 13 قال ابن عباس وجهها وكفيها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة الحرام عن لبس القفازين والنقاب ولو كان الوجه والكف عورة لماحرم سترهما.
شرح صحيح البخاري لابن بطال - (9/20)
قال ابن بطال: وقد اختلف السلف في تأويل قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ماظهر منها} فذهب طائفة إلى أن قوله: {إلا ماظهر منها}: الكحل والخاتم وقيل: الخضاب والسوار والقرط والثياب.
وقال أكثر أهل العلم: {إلا ماظهر منها} الوجه والكفان، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأنس، وهو قول مكحول وعطاء والحسن.
التلخيص الحبير 852 - (3/150)
قال ابن حجر: قَولُهُ فِي قوله تعالى: {ولاَ يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ ما ظَهَرَ مِنها}، هو مُفَسَّرٌ بِالوجهِ والكَفَّينِ انتَهَى.
السلسلة الصحيحة - (5/500)
قال الألباني: وفي قول ربنا تبارك وتعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون} (النور: 30 ).
فإذا كان هذا الأمر الإلهي قد وجه مباشرة إلى ذاك الجيل الأول الأطهر الأنور ولم يكن يومئذ ما يمكن أن يرى من النساء إلا الوجه والكفان ومن بعضهن، كما تواترت الأحاديث بذلك كحديث الخثعمية، وحديث بنت هبيرة وغيرهما مما هو مذكور في "جلباب المرأة " و" آداب الزفاف".
إرواء الغليل - (6/200)
قال الألباني: (1790) - (قال ابن عباس فى قوله: (إلا ماظهر منها) الوجه والكفين.
* صحيح.
أخرجه ابن أبى شيبة (7/42/1) والبيهقى (7/225) من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد بن جبير عنه به.
قلت: وابن هرمز هذا ضعيف.
لكن له طريق أخرى عنه، فقال ابن أبى شيبة: حدثنا زياد بن الربيع عن صالح الدهان عن جابر بن زيد عنه: (ولا يبدين زينتهن) قال: " الكف ورقعة الوجه.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال البخارى غير صالح الدهان وهو صالح بن إبراهيم، ترجمه ابن أبى حاتم (2/1/393) وروى عن أحمد: ليس به بأس، وعن ابن معين: ثقة.
وأكرر:
وهذا رأي الطحاوي وهو صاحب العقيدة الطحاوية السلفية:
شرح معاني الآثار 321 - (3/16)
ـ وقال الطحاوي: واذا ثَبَتَ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى وجهِ المَرأَةِ لِيَخطُبَها حَلاَلٌ، خَرَجَ بِذَلِكَ حُكمُهُ مِن حُكمِ العَورَةِ، ولأنّا راينا ما هُو عَورَةٌ لاَ يُباحُ لِمَن أَرادَ نِكاحَها النَّظَرُ إِلَيها.
أَلاَ تَرَى أَنَّ مَن أَرادَ نِكاحَ امراةٍ، فَحَرامٌ عَلَيهِ النَّظَرُ إِلَى شَعرِها، وإِلَى صَدرِها، وإِلَى ما هُو أَسفَلَ مِن ذَلِكَ فِي بَدَنِها، كَما يَحرُمُ ذَلِكَ مِنها، عَلَى مَن لَم يُرِد نِكاحَها، فَلَمّا ثَبَتَ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى وجهِها حَلاَلٌ لِمَن أَرادَ نِكاحَها، ثَبَتَ أَنَّهُ حَلاَلٌ أَيضًا لِمَن لَم يُرِد نِكاحَها، إِذا كانَ لاَ يَقصِدُ بنظَرِهِ ذَلِكَ لِمَعنى هُو عَلَيهِ حَرامٌ.
وقَد قِيلَ فِي قَولِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: {ولاَ يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا ما ظَهَرَ مِنها}: إِنَّ ذَلِكَ المُستَثنَى هُو الوجهُ والكَفّانِ، فَقَد وافَقَ ما ذَكَرنا مِن حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وسَلَّمَ هَذا التّاوِيلَ.
ومِمَّن ذَهَبَ إِلَى هَذا التّاوِيلِ مُحَمدُ بن الحَسَنِ، كَما حَدَّثنا سُليمانُ بن شُعَيبٍ بِذَلِكَ، عن أَبِيهِ، عن مُحَمدٍ.
وهَذا كُلُّهُ قَولُ أَبِي حَنِيفَةَ، وأَبِي يُوسُفَ، ومُحَمدٍ.

الأربعاء، 2 سبتمبر 2009

الإعلام اليهودي وقيادة أمريكا!!

الإعلام اليهودي وقيادة أمريكا!!
بقلم د. راغب السرجاني

لا شيء أقوى أثرًا في تحريك الشعوب وتوجيه السياسات من تغيير الفكر! والإنسان قد يتحول من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال لمعلومة يعرفها، أو لكلمات يقرؤها، أو لخطبة يسمعها، وهذا التحول قد يكون إيجابيًّا، وقد يكون سلبيًّا؛ تبعًا للكلمات التي يتلقاها. ولقد تحوَّل العرب الجفاة الغلاظ إلى بناة حضارة، وقادة إنسانية عندما سمعوا كلمات القرآن الكريم، وعلى النقيض من ذلك، فإن قوم فرعون ليتبعونه في جهنم لأنهم سمعوا لكلماته، ولم يلتفتوا إلى كلام النبي الكريم موسى عليه السلام.
ولقد أدرك اليهود قيمة التغيير الفكري في تحريك الشعوب، فعملوا على استعمال هذه السياسة في كل تاريخهم، وما أكثر الشائعات الباطلة، والتعليقات المزوَّرة التي حاربوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته منذ الأيام الأولى لدعوة الإسلام! وما زال اليهود إلى زماننا الآن يستخدمون نفس السياسة، وإن كان خطرهم قد أصبح أشدَّ، وأثرهم صار أعمق؛ وذلك لقوة الآلة الإعلامية في زماننا من ناحية، ومن ناحية أخرى لغياب الإعلام المضاد الذي يصحِّح المفاهيم، ويردُّ على الإشاعات والأباطيل.
ولقد بدا أثر الإعلام اليهودي واضحًا جدًّا في الضغط على أمريكا لتغيِّر من سياساتها، وتحوِّل من مسارها تبعًا لرغبات اليهود، حتى لو كان هذا التحوُّل في كثير من الأحايين ضد المصلحة الأمريكية ذاتها!
والذي يُراجع تاريخ اليهود في أمريكا يجد أن اهتمامهم بالإعلام كان كبيرًا جدًّا، وذلك منذ الأيام الأولى لهم في هذا البلد الجديد؛ فقد هاجر اليهود إلى أمريكا للمرة الأولى في أعداد قليلة من إسبانيا والبرتغال، وذلك بعد اكتشاف أمريكا وتعرض اليهود للاضطهاد فيهما بعد سقوط الأندلس الإسلامية! فقد كان الصليبيون الأسبان والبرتغال يضطهدون كل المخالفين لهم في العقيدة، سواء كان من المسلمين أو اليهود. ثم كانت الهجرة الثانية من ألمانيا بعد عام 1840م، وأخيرًا كانت الهجرة الرئيسية لهم من أوربا الشرقية بعد عام 1880م، وهذه الهجرة الأخيرة هي الهجرة التي خططت للسيطرة على الأمور في أمريكا، وكانت هذه السيطرة عن طريق عدة أمور، يأتي في مقدمتها الإعلام ثم المال ثم الدين.
لقد هاجر اليهود إلى أمريكا ومعهم أموال ضخمة لكونهم يعشقون التجارة ويهتمون بالكنز، ولكنهم لم يركزوا اهتمامهم على المشاريع التجارية فقط، إنما اهتموا اهتمامًا كبيرًا بالإعلام.
لم ينظر اليهود إلى صحيفة صغيرة ينشئونها أو وسيلة بدائية من وسائل الإعلام، بل توجهوا إلى أوسع الجرائد الأمريكية انتشارًا، وهي جريدة النيويورك تايمز، التي بدأت عملها في سنة 1851م، ولكنها كانت تعاني من بعض المشاكل المالية في أواخر القرن التاسع عشر، فعرض اليهوديُّ النشط أدولف أوكس (Adolf Ochs) شراء الصحيفة الشهيرة، وتم له ذلك بالفعل، وصارت جريدة النيويورك تايمز من هذه اللحظة وإلى الآن جريدة يهودية صِرفة! أما صحيفة الواشنطن بوست فهي الجريدة التي تؤثر تأثيرًا مباشرًا في السياسة الأمريكية، وهي التي يحرص على قراءتها يوميًّا كبار الموظفين في الحكومة الأمريكية، وهي صاحبة التأثير المباشر في الانتخابات الأمريكية، سواء الخاصة بالرئاسة أو بالكونجرس أو بالمحليات.
وكانت هذه الجريدة تُدار من خلال أسرة ماكلين mclean المحافظة، والتي لم تكن تسير بشكل واضح مع قضايا اليهود؛ مما دفع المعلنين اليهود إلى سحب إعلاناتهم من الواشنطن بوست وتوجيهها إلى صحف واشنطن الأخرى، وهذا أدى -مع مرور الوقت- إلى إفلاس الواشنطن بوست نتيجة منافسة الصحف الأخرى، وكان ذلك سنة 1954م، فتقدم اليهودي يوجين ماير (Eugene Meyer) لشراء الصحيفة بمبلغ زهيد نسبيًّا، وتم له ما أراد، وعادت الإعلانات اليهودية إلى الصحيفة الشهيرة، وصارت بذلك أقوى الصحف السياسية في أمريكا صحيفة يهودية.
وما ذكرناه عن صحيفتي نيويورك تايمز والواشنطن بوست ينطبق على صحيفة وول ستريت (Wall Street Journal)، التي تعدّ أكثر صحيفة يومية تجارية توزيعًا في أمريكا، حيث تُوزَّع أكثر من مليوني نسخة يوميًّا، وهي مملوكة لليهودي بيتر كان (Peter Kann).
أما أكثر المجلات الأمريكية توزيعًا فهي مجلات التايم والنيوزويك والنيوز آند وورلد ريبورت، وكلها مجلات يهودية.
وليس الاهتمام اليهودي بالإعلام عن طريقة الصحافة فقط، ولكنهم أيضًا يهتمون بكل وسائل الإعلام الأخرى، فهم يسيطرون بشكل كامل على ثلاث شبكات تليفزيونية تنتج الأكثرية الساحقة من مواد التسلية الأمريكية، وتمثل المصدر الرئيسي للأنباء للأمريكيين، وهذه الشبكات هي NBC وCBC وABC. ولا يخفى على أي متابع لهذه القنوات الصبغة اليهودية الواضحة.
أما في مجال نشر الكتب فاليهود يملكون الشركة الثانية على مستوى أمريكا، وهي شركة سيمون وشاستر (simon & schuster)، ويملكون كذلك الشركة الثالثة، واسمها تايم وارنر تريد جروب (Time warner tread group). كما أنهم يسيطرون على عدة مواقع مهمة في الشركة الأولى على مستوى أمريكا، وهي شركة راندوم هاوس (Random House).
أما مجال إنتاج الأفلام فيقع تحت سيطرة يهودية شبه تامة، وليس عجيبًا أن تجد معظم أسماء الشركات الشهيرة في هذا المجال شركات يهودية صِرفة. ويكفي أن نعلم أن أكبر تجمُّع في العالم الآن هو شركة (والت ديزني) التي تملك تليفزيون والت ديزني، وتليفزيون تاتش ستون، وكذلك تليفزيون بوينا فيستا، إضافة إلى شبكة الكوابل الخاصة بها التي يشترك بها أكثر من 20 مليون مشترك.. وهذه الشركة (والت ديزني) يرأس مجلسها التنفيذي اليهودي ميشيل إيزنر (Michael Eisner).
أما ثاني أكبر تجمع إعلامي فهو تجمع تايم وارنر، والتي يعدّ فرعها الشهير Hbo هو أكبر شركة تليفزيونية على مستوى أمريكا والعالم، وهذا التجمع يُدار بمجلس إدارة يجلس على قمته اليهودي جيرالد ليفين (Gerard Levin).
وتعتبر هوليوود -وهي مدينة السينما الأولى في العالم- مدينة يهودية خالصة، والجميع يعلم ذلك، ولقد قال قبل ذلك الممثل الأمريكي العالمي مارلون براندو سنة 1996م: "إن هوليوود يديرها اليهود، ويملكها اليهود، يظهرون دائمًا مرحين لطفاء محبين كرماء، في الوقت الذي يفضحون فيه أية مجموعة عرقية أخرى". ولقد دفع مارلون براندو ثمن هذه الجرأة، حيث شنت المجموعات اليهودية عليه حربًا شديدة، بل قالوا في تصريح صحفي مباشر أنهم لن يسمحوا له بالعمل في السينما مرة ثانية! وكاد مارلون براندو أن يهلك لولا أنه ركع أمام إمبراطور السينما اليهودي ويسينتال (Wiesenthal) الذي قَبِل منه اعتذاره، على ألاّ يفعل هذا الجرم ثانية!!
إن ما ذكرناه من أمثلة لا يمثل إلا قليل القليل من معلومات هائلة كثيرة، وهذه الوسائل الإعلامية المؤثرة تغيِّر تمامًا من الرأي العام الأمريكي، وتبرز اليهود دائمًا في صورة طيبة جميلة، وتبرز أعداءهم في صورة إرهابية مقيتة. كما أن هذه الوسائل الإعلامية تؤثر بشكل مباشر على انتخابات الرئاسة وغيرها من الانتخابات، ولقد دفع الرئيس الأمريكي السابق نيكسون كرسيه ثمنًا لهجمة صحفية شرسة من جريدة الواشنطن بوست اليهودية الأمريكية.
والسؤال الذي يجب أن نجيب عليه بصراحة: إذا كان هذا هو جهد اليهود، فأين المسلمون؟!
هل يمكن أن يقول أحد: إن اليهود يملكون المال؛ ولذلك فعلوا كل ذلك؟ إن الرد على مثل هذا التحليل الساذج، أن نقول: وهل لا يمتلك المسلمون المال؟ إن الأموال العربية والإسلامية أكثر من أن تُحصى، ولقد شاهدنا جميعًا رئيس الوزراء البريطاني منذ أسابيع وهو يدور على الدول الخليجية يطلب منها المعونة لإنقاذ العالم من الأزمة المالية الطاحنة!!
إن القضية ليست قضية مال..إنما القضية في الحقيقة هي قضية فكر!!إننا كثيرًا ما نصرخ بأعلى أصواتنا، ولكن داخل غرفة مغلقة!!
وبينما يتحدث اليهود في وسائل إعلام تخاطب البلايين، وتصل إلى كل مكان في العالم من أقصاه إلى أقصاه، نجد أن المسلمين لا يخاطبون إلا أنفسهم، ولا يشرحون قضاياهم إلا لأبنائهم!!
أيها الأمة العظيمة أمة الإسلام، أليس من أدوار العلماء والدعاة أن يلفتوا أنظار الأمة إلى أهمية هذا المجال الخطير؟ وإلى مدى تأثيره؟!
أليس من مهمة الساسة المسلمين أن يوجِّهوا طاقات دولهم إلى إنشاء إعلام منافس يردُّ على أباطيل اليهود وأكاذيبهم؟!
أليس من اهتمامات الاقتصاديين الإسلاميين أن يُنشِئوا القنوات الفضائية، والمجلات الاحترافية، ومواقع الإنترنت المتمكِّنة التي تحمل أخبارنا بألسنتنا إلى العالم أجمع؟!
أليس من مهمة المسلمين الذين يتقنون اللغات الأجنبية أن يحوِّلوا كل حقائقنا إلى لغات العالم حتى يفهم الجميع قضيتنا بدلاً من التنافس غير المفهوم بين قنوات وجرائد كلها يتكلم اللغة العربية فقط؟!
أليس من مهمة الجاليات المسلمة في البلاد الغربية أن يردوا على هذا الإعلام اليهودي الجبّار بإعلام إسلامي مضاد، وأن يُدخِلوا الإعلام في بؤرة اهتمامهم بدلاً من هذا الإهمال غير المقبول؟!
إنني أعلم أن القضية ليست سهلة، وأن الطريق صعب وطويل، ولكني في ذات الوقت على يقين أنه إذا كان اليهود قد نجحوا فيه، فالمسلمون على النجاح أقدر، ولكن لا بد من بداية جادَّة.
يوم نستطيع أن نجيب على الأسئلة السابقة، سوف يتغير حالنا تغيرًا جذريًّا بإذن الله. وليس من الحكمة ولا الصواب أن نكتفي بلوم اليهود على كذبهم وتزويرهم، بينما يحترف أصحاب الحق السكوت!!
ونسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين!
--------------------------------------------------------------------------------
ديفيد ديوك: الصحوة.. النفوذ اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية، ترجمة د. إبراهيم الشهابي، دار الفكر- دمشق، الطبعة الأولى 2002م، ص179.
المصدر السابق نفسه، ص200